راي

لجنة تقليص العاملين… هل أصبحت معاناة السودانيين مشروعاً حكومياً؟

 

في توقيتٍ بالغ الحساسية، وفي لحظةٍ يعيش فيها العامل السوداني أقسى ظروفه الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، يخرج على الناس قرارٌ من وزارة التنمية البشرية والعمل يتحدث عن “حصر العاملين” و”تقليص الوظائف” و”تخفيض العمالة” داخل مؤسسات الحكومة الاتحادية، وكأن البلاد تنعم بالاستقرار والرخاء، وكأن الموظف السوداني يعيش رفاهيةً تستوجب إعادة النظر في وجوده من الأصل.

القرار، بصورته الحالية، ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل يمثل أزمة سياسية واجتماعية وقانونية كاملة الأركان، ويكشف خللاً كبيراً في فهم طبيعة الدولة، وحدود الاختصاص، وتعقيدات الخدمة المدنية في السودان. الأخطر من ذلك أن القرار جاء في وقتٍ لم يتعافَ فيه السودان بعد من آثار الحرب، والانهيار الاقتصادي، والتشريد، وتعطل الرواتب، والانهيار المؤسسي الذي ضرب الدولة من أقصاها إلى أقصاها.

من المؤسف حقاً أن تصدر مثل هذه الخطوة من وزارة العمل يُفترض أن تكون مهمتها الأساسية حماية العامل، وتنظيم علاقات العمل، وتحقيق الاستقرار الوظيفي، لا التحول إلى منصة لإثارة الذعر وسط آلاف الأسر السودانية التي لم يبقَ لها سوى الأمل الضعيف في وظيفة بالكاد تؤمن الحد الأدنى من الحياة.

الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح إن وزارة العمل، وفق قانون العمل وقانون الخدمة المدنية، ليست جهة مخولة قانوناً بإصدار قرارات تقليص جماعي للوظائف في الخدمة المدنية الاتحادية. دور الوزارة إشرافي وتنظيمي وفني، يتمثل في وضع السياسات العامة، وتنظيم علاقات العمل، والتفتيش، وحل النزاعات، وتحسين بيئة العمل، وليس تسريح العاملين أو إعادة هيكلة الدولة بقرارات منفردة.

أما ما يسمى بالتقليص الجماعي للوظائف، فهو في القانون الإداري والعمالي يُعرف بـ”التسريح لأسباب اقتصادية أو هيكلية”، وهذا النوع من القرارات لا يتم عبر لجنة فنية معزولة، وإنما عبر مؤسسات الدولة السيادية والتنفيذية المختصة، وعلى رأسها مجلس الوزراء وديوان شؤون الخدمة المدنية ووزارة المالية، وبإجراءات قانونية معقدة ومحددة، تضمن الحقوق وتراعي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

ولهذا فإن السؤال المشروع الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا تُدفع وزارة العمل إلى واجهة قرار بهذه الخطورة؟ ولماذا يتم تحميلها تبعات سياسية واجتماعية قد تشعل غضباً واسعاً في الشارع الوظيفي والعمالي؟ ومن الذي طبخ هذا القرار الحقيقي خلف الكواليس؟

الجميع يعلم أن وزارة المالية هي المتحكم الفعلي في الهيكل الوظيفي والاعتمادات المالية والمرتبات، وهي الجهة التي تقود عادة أي اتجاه نحو تخفيض الإنفاق أو تقليص العمالة لأسباب مالية. أما وزارة العمل فالمفترض أن تكون حارساً قانونياً يضمن العدالة والإجراءات السليمة، لا أن تتحول إلى أداة صدام مع العاملين.

الأكثر خطورة أن القرار جاء في غياب كامل لأصحاب المصلحة الحقيقيين. فلا اتحاد عمال السودان كان جزءاً من العملية، ولا النقابات المهنية، ولا ممثلو العاملين، وكأن آلاف الموظفين مجرد أرقام في دفاتر المحاسبة، لا بشر لديهم أسر وأطفال والتزامات وحياة كاملة معلقة بهذه الوظائف.وكانهم بعيدون عن هم الوطن والوطنية!!!؟؟!!

هذا الغياب ليس مجرد خطأ إداري، بل خرق واضح لمبدأ “التشاور الثلاثي” الذي التزم به السودان عبر اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وعلى رأسها الاتفاقية رقم (144) الخاصة بالمشاورات الثلاثية، والتي تنص بوضوح على ضرورة التشاور مع ممثلي العمال وأصحاب العمل في أي سياسات تؤثر على العمالة والحقوق الوظيفية.

بل إن قانون النقابات نفسه يلزم بالتشاور مع النقابات في القضايا ذات الصلة بحقوق ومصالح العمال. وبالتالي فإن أي قرار يمس الوظيفة العامة دون هذا التشاور يصبح قراراً معيباً شكلاً وموضوعاً، وقابلاً للطعن القانوني والسياسي والأخلاقي.

ثم إن السؤال الأهم الذي يطرحه الشارع اليوم: هل هذه هي أولوية الدولة الآن؟

كان الناس ينتظرون من وزارة العمل أن تفتح أبواب الأمل للشباب، لا أبواب القلق والخوف. كنا نظن أن الوزارة ستتحرك نحو برامج إصلاح الخدمة المدنية، وتأهيل المؤسسات، ورفع كفاءة العاملين، وتحسين الأجور، وإنصاف المعاشيين الذين يعيش كثير منهم تحت خط الفقر، بعد سنوات طويلة من الخدمة والعطاء.

كنا نتوقع رؤية وطنية لإعادة بناء الخدمة المدنية التي تعرضت لتدمير ممنهج خلال السنوات الماضية، لا سيما بعد قرارات لجنة (إزالة التمكين) سيئة الذكر التي شردت آلاف العاملين والمهنيين والخبراء من مؤسسات الدولة والجامعات والقطاعين العام والخاص. مهدت الطريق واسعا لحرب أبريل 2023م

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لتلك السياسات الإقصائية. عشرات الآلاف من الكفاءات غادرت البلاد، ومئات الأساتذة الجامعيين والخبراء والمهندسين والأطباء توزعوا على جامعات ومؤسسات عالمية، بينما الدولة تفقد خبراتها المتراكمة عاماً بعد عام.كنا نظن ان وزارة العمل تجتهد الان لوضع برامج بديله لتعويض ذلك الفاقد لا على الاجهاذ على ماتبقى من الخدمة المدنية.!!!؟؟!!

وللأسف، بدلاً من معالجة آثار ذلك الخراب وإعادة الاعتبار للكفاءة والخبرة والاستقرار المؤسسي، تأتي هذه القرارات لتفتح جرحاً جديداً في جسد الدولة المنهك أصلاً.

ومن هنا فإننا نقولها بوضوح: المطلوب الآن ليس المكابرة، بل الشجاعة السياسية والأخلاقية. والاعتذار للعاملين بدلاً من الإساءةَ لهم!!؟؟؟!

على وزارة التنمية البشرية والعمل أن تتراجع فوراً عن هذه اللجنة، وأن توضح للرأي العام حقيقة أهدافها، وأن تعتذر عن الرسائل السلبية التي أحدثها القرار وسط العاملين وأسرهم.

كما أن على السيد وزير المالية، والسيد رئيس مجلس الوزراء، أن يدركا أن البلاد لا تحتمل مغامرات إدارية مرتبكة في هذا التوقيت الحرج، وأن أي حديث عن تقليص العمالة سيقود إلى مزيد من الاحتقان والفوضى وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة.

ختامًا من المؤسف حقاً أن يقع وزير العمل، الذي ينتمي إلى حركة العدل والمساواة، في مثل هذه السقطة السياسية والإدارية. فقد كان الناس يظنون أن الحركة، بما عُرف عنها من خطاب العدالة الاجتماعية والدفاع عن المهمشين، ستكون أكثر حساسية تجاه أوضاع العاملين والموظفين البسطاء الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية غير مسبوقة.

لكن يبدو أن الواقع الإداري أحياناً يبتلع الشعارات الكبيرة، ويضع الجميع أمام اختبار حقيقي بين الانحياز للناس أو الانحياز للدفاتر والأرقام.

إن الدولة التي تريد النجاة لا تبدأ بإخافة موظفيها، بل تبدأ بإصلاح اقتصادها، ومحاربة الفساد، وإعادة تشغيل الإنتاج، وتحفيز الاستثمار، واستعادة الكفاءات الوطنية، وفتح أبواب العمل أمام الشباب، لا إغلاقها أمام من تبقى داخل الخدمة.
إن التوقف عند واحدة من أخطر الظواهر التي نشأت بعد حرب أبريل 2023م، وهي ظاهرة اختطاف الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة بواسطة مجموعات محدودة احتكرت الأداء والسلطة والامتيازات تحت لافتة أطلقوا عليها شعار “(العمل بمن حضر) ”. هذا الشعار الذي رُفع في ظروف استثنائية كان يفترض أن يكون إجراءً مؤقتاً لتسيير العمل، لكنه تحول عملياً إلى أداة إقصاء واستحواذ واستفراد بالمؤسسات، وكأن آلاف العاملين الذين شردتهم الحرب أو حاصرتهم ظروف النزوح لم يعودوا جزءاً من الدولة ولا من الخدمة المدنية. وللأسف الشديد، فإن بعض المؤسسات تعاملت مع هذا الوضع باعتباره فرصة لإعادة تشكيل النفوذ الداخلي وتصفية الحسابات وإغلاق الأبواب أمام زملائهم العاملين، لا باعتباره ظرفاً وطنياً استثنائياً يحتاج إلى العدالة والاحتواء. ولدينا في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون نموذج صارخ لهذا الاختلال، حيث (استأثرت مجموعات محددة بالمشهد الإداري والوظيفي) ، بينما تُرك آلاف العاملين بين النزوح والتهميش والانتظار المرير، رغم أن كثيرين منهم ظلوا في أم درمان أو في ولايات السودان المختلفة يواجهون الموت والخطر والجوع ويتمسكون بخدمة وطنهم. والأدهى من ذلك أن مجلس الوزراء نفسه الذي يتحدث اليوم عن “تقليص العاملين” هو ذات المجلس الذي أصدر ما سُمِّي بقرارات “توفيق الأوضاع”، وهي قرارات فتحت أبواباً واسعة للامتيازات والصرف والاستفادة لفئات محددة في بورتسودان وغيرها، تحت مبررات العودة والترتيبات والسكن والأثاث، بينما حُرم آخرون من أبسط حقوقهم الوظيفية والإنسانية. لقد( غرفت) مجموعات بعينها من المال العام تحت مظلة تلك القرارات، وبالخصم على ميزانيات هئياتهم ومؤسساتهم ووزاراتهم في وقت كان فيه آلاف العاملين خارج دائرة الاهتمام، لا رواتب، لا استحقاقات، ولا حتى اعتراف معاناتهم. بل لديهم حقوق كان ينبغي أن تصرف لهم ولكن هئيات لهم هئيات!!؟!! ومن هنا فإن الواجب الحقيقي على وزارة العمل لم يكن تشكيل لجان لتقليص الوظائف، بل مواجهة هذا العبث الإداري والمؤسسي، وفتح ملفات تحقيق واسعه وتشكيل لجان محاكم عمل لفك ذلك الاحتكار للمؤسسات والهيئات ووالوزارت!!!؟؟ ، وإعادة الاعتبار للعاملين الذين أُبعدوا قسراً، وإنفاذ قرارات عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم، وإعادة بناء الخدمة المدنية على أساس العدالة لا( الشللية) ، وعلى أساس الكفاءة لا القرب من مراكز النفوذ. أما أن تتحول القضية كلها إلى مشروع جديد لتقليص العاملين، بينما تُترك جذور الأزمة الحقيقية دون معالجة، فذلك ليس سوى فضيحة إدارية وسياسية تكشف حجم الخلل الذي تعيشه مؤسسات الدولة اليوم..
وللحديث بقيه بإذن الله تعالى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى