راي

حين يتكلم الاتهام بلا دليل: من يُضلِّل العالم بشأن السودان؟

 

ليست أخطر الحروب تلك التي تُخاض بالسلاح وحده، بل تلك التي تُدار بالكلمات المنفلتة والاتهامات العارية من الدليل، لأنها لا تكتفي بإزهاق الأرواح، بل تسعى إلى تشويه الوعي وتزييف الحقائق، وخلق سرديات مضللة تمنح الجناة الحقيقيين فرصة الإفلات من المساءلة، بل وتحويلهم أحياناً إلى ضحايا في نظر الرأي العام الدولي. وفي هذا السياق المأزوم، تأتي تصريحات مسعد بولس بشأن اتهام القوات المسلحة السودانية بقصف مستشفى الضعين التعليمي، لتثير موجة من التساؤلات المشروعة حول المهنية والحياد، بل وحول طبيعة الدور الذي يلعبه مثل هذا الخطاب في تعقيد الأزمة السودانية بدلاً من الإسهام في حلها.

فأي حديث عن استهداف منشأة طبية يُعد من أخطر الاتهامات في القانون الدولي الإنساني، ولا يجوز إطلاقه جزافاً أو بناءً على روايات غير موثقة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما هو الدليل الذي استند إليه مسعد بولس؟ هل استند إلى تحقيق ميداني مستقل؟ أم إلى تقارير أممية موثوقة؟ أم إلى مجرد روايات صادرة عن طرف في النزاع؟ إن غياب الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة لا يضعف التصريح فحسب، بل يكشف عن خلل عميق في منهجية التعاطي مع واحدة من أكثر القضايا حساسية، ويحوّل الاتهام من أداة لكشف الحقيقة إلى وسيلة لتضليلها.

والأخطر من الاتهام ذاته، هو ذلك الصمت المطبق الذي لازم هذه التصريحات تجاه سجل طويل وممتد من الانتهاكات التي ارتكبتها المليشيا المتمردة الإرهابية الدعم السريع في مختلف أنحاء السودان. لم نسمع إدانة صريحة لما جرى في الكرمك، حيث سعت المليشيا إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية وفتح جبهة جديدة في النيل الأزرق في محاولة واضحة لاستنزاف قدرات القوات المسلحة السودانية. ولم نسمع كذلك إدانة لما حدث في الفاشر، ولا في غيرها من المدن التي حاولت هذه المليشيا اقتحامها وترويع سكانها وفرض واقع بالقوة المسلحة. إن هذا الصمت لا يمكن تبريره بأي معيار من معايير الحياد، بل يكشف عن انحياز واضح يُخرج صاحبه تماماً من دائرة النزاهة المفترضة.

إن توصيف ما يجري في السودان بأنه “نزاع بين طرفين” ليس فقط تبسيطاً مخلاً، بل هو تزوير صريح للواقع. فالسودان لا يشهد صراعاً متكافئاً بين قوتين متنازعتين، بل يواجه تمرداً مسلحاً تقوده مليشيا خارجة على القانون، في مواجهة دولة ذات سيادة تمثلها مؤسساتها الرسمية وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية. وهذه القوات، بحكم شرعيتها الدستورية، لا تخوض حرباً اختيارية، بل تقوم بواجبها في حماية البلاد وصون وحدة أراضيها والدفاع عن مواطنيها. وأي خطاب يُساوي بين الدولة والمليشيا إنما يُسهم في شرعنة التمرد وتقويض مفهوم الدولة ذاته.

وكان الأولى بمسعد بولس، إن أراد فعلاً الإسهام في إنهاء هذه الأزمة، أن يوجه خطابه نحو جذور المشكلة لا أعراضها، وأن يتحدث بوضوح عن تدفق السلاح والدعم اللوجستي الذي تتلقاه المليشيا المتمردة، وأن يدفع باتجاه إجراءات عملية وحقيقية لوقف هذه الإمدادات التي تُبقي نار الحرب مشتعلة. فالمشكلة الحقيقية ليست في تبادل الاتهامات الإعلامية، بل في وجود شبكات دعم إقليمية ودولية تُغذي هذا التمرد وتمنحه القدرة على الاستمرار، رغم كل ما ارتكبه من جرائم وانتهاكات.

ولم تكتفِ هذه المليشيا بتخريب الداخل السوداني، بل كشفت عن وجهها الحقيقي عبر خطاب تحريضي وعدائي تجاه دول الإقليم، حيث أقدمت على تشكيل ما يسمى بـ”قوات النخبة الثانية” بقيادة أحد عناصرها، مرفقة ذلك بخطاب تعبوي يتضمن تهديدات صريحة باستهداف دول مثل السعودية ومصر وتركيا وإيران. ورغم أن هذه التهديدات تفتقر إلى القدرة الفعلية على التنفيذ، إلا أنها تعكس طبيعة المشروع الذي تتحرك في إطاره هذه المليشيا، بوصفها أداة تخريب عابر للحدود، لا تتورع عن زعزعة استقرار المنطقة بأكملها.

إن ما جرى في الكرمك، وما سبق ذلك في الفاشر وغيرها، ليس إلا حلقات في سلسلة ممنهجة تهدف إلى توسيع رقعة الحرب، واستنزاف قدرات الدولة السودانية، وفرض واقع بالقوة يخدم أجندات لا تمت لمصالح الشعب السوداني بصلة. ومع ذلك، يختار البعض أن يغض الطرف عن هذه الوقائع، وأن يوجه بوصلته نحو اتهامات غير مثبتة، في مشهد يعكس اختلالاً مقلقاً في ميزان العدالة الدولية.

سيدي بولس، إن كل تصريح من هذا النوع لا يمر مرور الكرام، بل يرسخ انطباعاً متزايداً بأنكم لستم على مسافة واحدة من الأطراف، وأن خطابكم يميل بوضوح نحو تبرئة المليشيا المتمردة الإرهابية، أو على الأقل تجاهل جرائمها، مقابل تحميل القوات المسلحة السودانية مسؤوليات لم تثبتها أدلة مستقلة. وهذا النهج لا يسيء فقط إلى مصداقيتكم، بل يضر بجهود السلام، ويُطيل أمد الحرب، ويعمّق معاناة ملايين السودانيين.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد مقبولاً الحديث بلغة رمادية عن “إدانة الانتهاكات أياً كان مرتكبها”، لأن الحقيقة باتت واضحة لا لبس فيها: الانتهاكات الجسيمة والموثقة تُرتكب بصورة ممنهجة من قبل المليشيا المتمردة الإرهابية الدعم السريع، التي استهدفت المستشفيات، وقتلت المدنيين، وروّعت الآمنين، ودمّرت البنية التحتية، وأخرجت نسبة كبيرة من المرافق الصحية عن الخدمة، بل وامتدت جرائمها إلى تصفية الكوادر الطبية والاعتداء على المرضى داخل أماكن علاجهم. وعليه، فإن الموقف الدولي المسؤول يقتضي إدانة هذه المليشيا بالاسم، والعمل الجاد والفوري على وقف كل أشكال الدعم العسكري واللوجستي الذي يصلها، ومحاسبة داعميها ورعاتها الإقليميين والدوليين دون تردد أو مواربة. فالصمت في مثل هذا المقام ليس حياداً، بل تواطؤ غير مباشر، يدفع ثمنه الشعب السوداني من أمنه واستقراره ومستقبله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى