راي

مواقف وسوالف ✍️خالد الضبياني «ظلُّ الفكرة»… كتابٌ كُتب بوجع الحياة لا بحبر الورق

 

في أمسيةٍ ثقافيةٍ استثنائية احتضنها صالون المرأة السودانية بالرياض بقيادة الدكتورة ابتسام جسور لم يكن الحديث عن كتابٍ عابر بل عن رحلة إنسانٍ خرج من قسوة الحياة وهو يحمل في داخله إيماناً لا ينطفئ بأن الإنسان يستطيع أن ينتصر على ظروفه مهما اشتدت.
كتاب (ظل الفكرة) للدكتور شاذلي عبدالله بدا وكأنه اعترافٌ طويل مع الذات أو مرآةٌ يرى فيها القارئ وجوه التعب التي مر بها كثير من البسطاء دون أن تُروى حكاياتهم. فالكتاب لا يتحدث عن النجاح بوصفه محطة أخيرة بل يذهب إلى الجذور الأولى للألم إلى تلك الأيام التي كان فيها الكاتب يعيش في غرفةٍ بلا سقف وإن وُجد السقف غابت الإنارة في صورةٍ تختصر حجم المعاناة والفقر والحرمان الذي عاشه.
لكن أكثر ما يلفت في (ظل الفكرة أن الكاتب لم يكتب بروح الناقم على الحياة بل بروح الإنسان الذي تعلّم من كل وجع درساً ومن كل خسارة معنى ومن كل عثرة طريقاً جديداً للنهوض. فالكتاب يمتلئ بالتفاصيل الصغيرة التي يصنع منها الإنسان العادي حياته اليومية الخوف من الغد الإحساس بالعجز أحياناً قلة الإمكانيات نظرات المجتمع والشعور بأن الطريق أطول من القدرة على الاحتمال.ورغم ذلك ينجح شازلي عبدالله في تحويل هذه التفاصيل إلى رسائل أمل فيؤكد أن الفكرة حين تسكن الإنسان بصدق تصبح أقوى من الفقر وأقوى من الظروف بل وأقوى من الانكسار نفسه. ولذلك جاء عنوان (ظل الفكرة) عميقاً ومعبّراً لأن الفكرة كانت الرفيق الوحيد الذي لم يتركه في العتمة وكانت الظل الذي احتمى به حين ضاقت الحياة.الكتاب أيضاً يلامس جانباً إنسانياً بالغ الحساسية حين يتحدث عن أثر البيئة القاسية على تكوين الشخصية وكيف يمكن للإنسان أن يحمل داخله ندوب الطفولة والفقر لسنوات طويلة لكنه مع ذلك يختار أن يحوّلها إلى طاقة للنجاح لا سبباً للسقوط. ولهذا شعر كثير من الحضور أن الكتاب لا يحكي عن شاذلي وحده بل عن أجيال كاملة عاشت المعاناة نفسها بصور مختلفة.أدار النقاش الدكتور أنور بعمقٍ وهدوء حيث قاد الحضور إلى قراءة ما وراء الكلمات بينما قدّم الدكتور برير تحليلاً ثرياً أوضح من خلاله كيف استطاع الكاتب أن يحوّل التجربة الشخصية إلى نصٍ إنساني مفتوح على معاني الصبر والإرادة والوعي.كما جاءت مداخلة السفير الدكتور كرار التهامي لتؤكد أهمية هذا النوع من الكتب التي لا تكتفي بسرد الحكايات بل توثق لتجارب الكفاح الحقيقي وتمنح الأمل لكل من يظن أن الظروف القاسية نهاية الطريق.وتألقت الإعلامية القديرة وفاء معروف في تقديم الأمسية بروحها الراقية.وأختتمت الندوة بتكريم الدكتور شاذلي وعددٍ من الحضور في مشهدٍ احتفى بالإنسان قبل أي شيء آخر.كل الشكر للدكتورة ابتسام جسور التي جعلت من صالون المرأة السودانية بالرياض مساحةً تلتقي فيها الثقافة بالإنسانية وتتحول فيها الكتب من أوراقٍ تُقرأ إلى تجارب تُعاش وتلامس القلوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى