راي

الخبير الاقتصادي مجدي امين يكتب/ حيَّ على التحرير : نحو استراتيجية شجاعة لحصائل الصادر

 

​في البدء، نثمن عالياً ونشيد بالسياسات الأخيرة لبنك السودان المركزي المتعلقة بصادر الذهب، والتي تمثل خطوة جادة وشجاعة في الاتجاه الصحيح . وبغرض استكمال هذه الخطوات لتكون بمثابة “خياطة من حرير” للملف الاقتصادي، نطرح الرؤية التالية:

​أولاً: فقه التوقيت في السياسة النقدية

​إن لكل العبادات مواقيت محددة لحكمةٍ يعلمها الله، والميقات فيها شرط وجوب؛ فلا يصح أن نؤدي صلاة العصر وقت الشروق. كذلك هي السياسات النقدية في علم الاقتصاد؛ إذ لا يقل توقيت السياسة أهمية عن السياسة نفسها.

​إن اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الخطأ قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً. واليوم، حان “الميقات” الحقيقي لـ تحرير حصيلة الصادر. ونعني بالتحرير هنا: منح المصدر حرية التصرف المطلقة في حصيلته دون قيد زمني أو إجرائي .

إلزام المصدر ببيع حصيلته في وقت محدد أو بسعر إجباري غالباً ما يدفعه للبحث عن قنوات موازية بعيدة عن اعين الدولة ، بينما “حرية التصرف” تشجعه على إدخال العملة الصعبة إلى القنوات الرسمية طواعية.

​ثانياً: بناء “بيئة الثقة” وتحويل السودان إلى مركز جذب

​إذا نجحت الدولة في خلق “بيئة ثقة” تضمن للمصدر والمدخر حرية سحب وإيداع وبيع عملته دون قيود أو ملاحقات أمنية وإدارية، فإن السودان سيتحول جذرياً من بلد طارد لرؤوس الأموال إلى مركز جذب رئيسي لمدخرات السودانيين في دول الشتات.

​إن تحرير الحصيلة يتطلب بالتوازي تطبيق ثلاثة مرتكزات أساسية:

​تبسيط الإجراءات البنكية: لضمان سرعة دوران رأس المال وسهولة حركة التجارة.

​تعزيز الرقابة لا التقييد: بمعنى أن يراقب البنك المركزي تدفق الأموال لضمان سلامتها القانونية ، دون التدخل في قرار صاحب المال بكيفية أو وقت صرفها.

​الاستقرار التشريعي: أن يطمئن المستثمر والمصدر بأن هذه القوانين لن تتغير بقرار مفاجئ غداً.

​وفي ظل الطفرة الحالية فى انتاج الذهب وغيره من السلع الاستراتيجية، فإن التحرير سيعمل كـ “منظم تلقائي للسوق”؛ حيث سيخلق العرض الوافر سعراً توازنياً حقيقياً للعملة .

​ثالثاً: الواقع الجيوسياسي.. السودان كـ “ملاذ آمن”

​ترتبط هذه النقطة بالمتغيرات الإقليمية الراهنة؛ حيث تواجه الكثير من رؤوس الأموال السودانية في الخارج الآن تعقيدات قانونية، أو حالة من عدم الاستقرار في بيئات استثمارية كانت تُعتبر بالأمس آمنة.

​لكل ما سبق نقترح الاتى :

​أن يكون الشرط التنظيمي الوحيد هو إعادة الحصيلة إلى داخل الجهاز المصرفي السوداني، وللمصدر بعد ذلك كامل الحرية في:

​توظيفها مباشرة في عمليات استيراد .

​إضافتها إلى حسابه الشخصي بالعملة الحرة.

​بيعها لمن يشاء، في الوقت الذي يراه مناسباً، وبالسعر التنافسي للسوق.

​رابعاً: لماذا يُعد “الآن” هو الميقات الصحيح؟

​ثمة مؤشرات واضحة تجعل من التوقيت الحالي فرصة تاريخية لا تعوض:

​الفائض التجاري الكامن: إن القيمة الحقيقية لصادرات السودان الحالية (والتي لا تنعكس بالكامل في الميزان التجاري الرسمي بسبب التهريب) تتجاوز قيمة وارداته الفعلية. هذا مؤشر إيجابي وقوي لم يحدث منذ عهد صادرات البترول قبل الانفصال، مما يوفر أرضية صلبة وصلبة جداً لقرار التحرير.

​البحث عن الأمان البديل: الدول التي كان السودانيون يدخرون ويستثمرون فيها أموالهم لم تعد توفر الأمان الكافي لهم في ظل الظروف الراهنة. فإذا شعر المواطن والمستثمر بالأمان الاقتصادي والتشريعي داخل بلاده، فسيتحول تلقائياً نحو توطين مدخراته واستثماراته في الداخل.

​الميقات الآن يبدو مثالياً لغرس بذور الأمان الاقتصادي، وإعادة بناء الثقة في القطاع المصرفي السوداني . اغتنموا هذه الفرصة التاريخية.

اللهم قد بلغت اللهم فاشهد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى