رياضة

الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بين وعود الإصلاح ومرارة الانتظار!!؟؟؟!!

 

الحرب تدخل عامها الرابع، ومؤسسات الدولة عادت تدريجياً إلى العاصمة، والوزارات بدأت تستأنف أعمالها، بينما لا تزال الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون تراوح مكانها وسط حالة من البطء والتردد وغياب الرؤية الواضحة. هذا الواقع المؤلم فتح الباب واسعاً أمام حالة من الإحباط وسط العاملين والرأي العام، بل وحتى داخل الوسط الإعلامي نفسه، حيث أصبح كثير من الزملاء يتحدثون بصراحة غير مسبوقة عن أن الهيئة، بصورتها الحالية، لن تستطيع النهوض أو استعادة دورها التاريخي ما لم تحدث معالجات جذرية وشجاعة تتجاوز سياسة المسكنات والتطمينات التي ظلت تتكرر دون نتائج ملموسة.

المؤلم حقاً أن العاملين الذين ظلوا يحملون عبء المؤسسة في أصعب الظروف يعيشون أوضاعاً لا تليق بتاريخ الإعلام السوداني ولا بحجم التضحيات التي قدمها هؤلاء خلال سنوات الحرب والانهيار. الحديث المتداول وسط العاملين عن مرتبات تتراوح بين 150 و250 ألف جنيه في أحسن الأحوال يكشف حجم الأزمة الإنسانية قبل الإدارية. كيف يمكن لمؤسسة قومية بحجم الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون أن تطالب كوادرها بالإبداع والإنتاج والصمود بينما أبسط مقومات الحياة الكريمة غائبة؟ وكيف يمكن الحديث عن تطوير محتوى إعلامي أو منافسة إعلامية أو صناعة رأي عام وطني بينما العامل نفسه يعيش تحت ضغط الحاجة والعجز وانعدام الاستقرار؟

ثم تأتي قضية البنية التحتية التي تعرضت لدمار واسع، وعلى رأسها مباني وإمكانات إلاذاعه السودانية بشكل أكبر والتلفزيون بشكل اقل مقارنه بالإذاعة ، ليذداد المشهد تعقيداً. كثيرون أصبحوا يعتقدون أن حجم الدمار الذي أصاب “ا إلاذاعه السودانية ” يتجاوز قدرات المعالجة السريعة، ولذلك ظهرت أصوات تدعو إلى استمرار البث الاذاعي من مدينة عطبرة مؤقتاً، باعتبار أن الأولوية الآن هي استمرار الرسالة الإعلامية لا التمسك بالموقع الجغرافي. وهذا رأي يمكن مناقشته بموضوعية بعيداً عن العاطفة والشعارات، لأن القضية الأساسية ليست من أين يتم البث، وإنما كيف تستعيد الهيئة قدرتها المهنية والفنية والإدارية لتؤدي دورها القومي الحقيقي.

لكن الأزمة الأكبر ليست في المباني وحدها، وإنما في غياب الإرادة الإدارية والسياسية لمعالجة جذور المشكلة. فمن غير المعقول أن تتوقف عودة مؤسسة قومية بحجم الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بسبب عدم توفر أسطول ترحيل للعاملين!!؟!! . هل الدولة عاجزة فعلاً عن توفير عشر أو عشرين عربة للترحيل؟!!!؟؟؟ هل أصبحت مسألة توفير خمس حافلات للإذاعة وأخرى لتلفزيون أمراً فوق طاقة الدولة؟ هذا سؤال يطرحه العاملون بمرارة، خصوصاً في ظل عودة مؤسسات حكومية عديدة للعمل من الخرطوم وأم درمان.

الحقيقة أن مسألة الترحيل ليست أزمة مستحيلة، بل ربما تكون أبسط ملفات الإصلاح. ولو أعلنت الهيئة نفيراً وطنياً حقيقياً لوجدت عشرات المؤسسات ورجال الأعمال والجهات الوطنية يتبرعون دعماً للإعلام القومي. لكن المشكلة تبدو أعمق من مجرد سيارات أو معدات؛ إنها أزمة إدارة ورؤية وإرادة. فالهيئة لا تحتاج إلى آلاف العربات كما يتصور البعض، وإنما إلى أسطول محدود ومنظم يضمن الحد الأدنى من استقرار العاملين واستمرار العمل. الحديث هنا عن عشره حافلات للترحيل وبعض العربات المساندة، وللتغطيات وهي متطلبات متاحة إذا توفرت الجدية في اتخاذ القرار.

الأزمة الحقيقية تكمن في غياب الإصلاح المؤسسي الشامل. فمنذ سنوات ظل كثير من المختصين يؤكدون أن أمر تأسيس الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لسنة 2014م لم يعد مواكباً للمرحلة، وأن المطلوب هو تحويله إلى قانون متكامل يمنح الهيئة استقلالاً إدارياً ومالياً حقيقياً ويؤسس لمجلس إدارة قوي وفاعل. هذا المجلس يجب أن يصدر بقرار من رئيس مجلس الوزراء، وأن يضم أصحاب كفاءة وخبرة وشخصيات قادرة على دعم المؤسسة بعيداً عن المجاملات والمحاصصات.

وجود مجلس إدارة للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون حقيقي ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة لإنقاذ الهيئة. فهو الجهة التي يمكن أن تجيز الهياكل الجديدة، وتراجع أوضاع العاملين، وتحسن الأجور والامتيازات، وتضع خطط التطوير، وتواكب التحولات الإعلامية والتقنية الحديثة. أما استمرار الوضع الحالي، حيث تتحرك المؤسسة بلا إصلاح قانوني حقيقي وبلا مجلس إدارة فاعل، فإنه يعني ببساطة استمرار الدوران في الحلقة نفسها.

المؤسف أن كل من يطرح هذه القضايا أو يتحدث بصراحة عن أوجاع العاملين يتم تصنيفه فوراً بأنه “معارض” أو “غاضب” أو “صاحب أجندة”، أو عنده( غبينه) بينما الحقيقة أن النقد هنا ليس استهدافاً لأشخاص، وإنما صرخة من أجل إنقاذ مؤسسة قومية عريقة. العاملون والإعلاميون الذين ظلوا ينادون بالإصلاح لم يكونوا خصوماً للإدارة، بل وقف كثير منهم داعماً وناصحاً وصابراً، لكن استمرار سياسة التجاهل والتطمينات العامة دفع كثيرين إلى مرحلة فقدان الثقة.

ومن المؤسف أيضاً أن الحوارات الصحفية التي تُجرى مع الإدارة كثيراً ما تنتهي إلى إعادة إنتاج اللغة نفسها: وعود، وتطمينات، وحديث مفتوح بلا سقوف زمنية ولا خطوات واضحة. حتى أصبح العاملون يشعرون أن الحديث يبدأ من نقطة وينتهي إليها دون نتائج عملية على الأرض. الناس لم تعد تريد خطاباً إنشائياً أو حديثاً عن “العمل الجاري”، بل تريد قرارات واضحة: متى يبدأ التأهيل؟ كيف ستُحل أزمة الأجور؟ ما هي خطة الترحيل؟ أين الإصلاح القانوني؟ ومن المسؤول عن تعطيل هذه الملفات؟

الإعلام القومي ليس ترفاً يمكن تأجيله، ولا مؤسسة هامشية يمكن تركها لهذا التآكل البطيء. الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون تمثل ذاكرة السودان وصوته الوطني وأحد أهم أدوات معركة الوعي في هذه المرحلة الدقيقة. وإضعافها أو تركها في حالة الشلل الحالية يعني ترك الساحة للفوضى الإعلامية والمنصات غير المهنية والخطابات الهدامة.

المطلوب اليوم ليس مزيداً من التبريرات، وإنما قرار شجاع يعترف بالأزمة ويبدأ معالجتها بوضوح وشفافية. المطلوب إدارة تؤمن بالحوار لا التصنيف، وتستمع للعاملين بدلاً من التعامل مع مطالبهم باعتبارها خصومة. او( فش غبينه) المطلوب انتقال من مرحلة الكلام إلى مرحلة التنفيذ.

أما استمرار الحال بهذه الصورة، فهو استنزاف لما تبقى من روح داخل مؤسسة ظلت لعقود إحدى أهم مؤسسات السودان الوطنية، ولا تزال قادرة على النهوض إذا توفرت الإرادة الحقيقية والإدارة الواعية والإحساس بقيمة الإنسان الذي يحمل عبء هذه المؤسسة رغم كل هذا الإهمال والمعاناة.
وللحديث بقيه بإذن الله تعالى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى