
في لحظةٍ تتكاثف فيها الأسئلة وتضيق فيها مساحات اليقين، يطلّ إعلان رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس عن إطلاق حوار سوداني–سوداني شامل في مايو، بوصفه محاولةً لإعادة ترتيب البيت الوطني من الداخل، لا عبر إملاءات الخارج ولا تحت ظلال الاصطفافات الحادة التي أنهكت الدولة والمجتمع معًا. ليست الدعوة في جوهرها مجرد مبادرة سياسية عابرة، بل هي اختبار حقيقي لمدى نضج الفاعلين السودانيين وقدرتهم على الارتقاء من منطق المغالبة إلى منطق المشاركة، ومن حسابات الربح والخسارة الآنية إلى أفق الدولة التي تتسع للجميع.
إن فكرة “الحوار دون إقصاء” التي طرحها دولةٍ رئيس مجلس الوزراء دكتور كامل إدريس تبدو، في ظاهرها، أقرب إلى البداهة، لكنها في السياق السوداني محمّلة بثقل تاريخي من الشكوك المتبادلة، والانقسامات العميقة، والتجارب التي تعثرت حين ضاقت منصاتها بأصواتٍ بعينها أو فُرضت عليها أجندات جاهزة. ولذلك فإن نجاح هذه الدعوة لا يتوقف على إعلانها، بل على ما يرافقها من ضمانات عملية: من يشارك؟ وكيف تُحدد الأجندة؟ ومن يدير العملية؟ وما هي آليات تنفيذ مخرجاتها؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلات إجرائية، بل هي صميم الثقة التي إن لم تُبْنَ بعناية، تحوّل الحوار إلى مجرد طقسٍ سياسي بلا أثر.
ما يميز توقيت هذه المبادرة أنها تأتي في لحظة مفصلية، حيث تتداخل الأزمات الأمنية مع الانهيارات الاقتصادية، وتتعاظم الحاجة إلى شرعية سياسية جديدة تُستمد من توافق وطني واسع، لا من موازين قوى متغيرة. فالدعوة إلى حوار يمهد لانتخابات ليست مجرد انتقال إجرائي نحو صناديق الاقتراع، بل هي محاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية نفسها: كيف تُدار السلطة؟ وكيف تُضبط العلاقة بين المدني والعسكري؟ وما هو شكل الدولة التي ينشدها السودانيون بعد سنوات من الاضطراب؟
إن أي حديث عن انتخابات دون تأسيسٍ متين عبر حوار شامل، يشبه بناء سقفٍ بلا أعمدة. فالانتخابات، في غياب توافق وطني حول قواعدها، قد تتحول إلى محطة صراع جديدة بدل أن تكون مخرجًا للأزمة. ومن هنا تبرز أهمية أن يكون الحوار شاملاً بحق، لا يستثني إلا من يرفض مبدأ الدولة ذاتها، وأن يُبنى على قاعدة الاعتراف المتبادل، لا على محاولات الإلغاء أو الاستحواذ.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في جمع الأطراف إلى طاولة واحدة، بل في تحويل تلك الطاولة إلى مساحة إنتاج حقيقي، لا إلى منبر لتكرار المواقف القديمة. فالسودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير الخطابات، بل إلى ابتكار حلول جريئة تُلامس جذور الأزمة: العدالة الانتقالية، إصلاح المؤسسات، توزيع السلطة والثروة، وبناء عقد اجتماعي جديد يُنهي حالة السيولة التي ظلت سمة المرحلة الماضية.
كما أن نجاح الحوار يرتبط بقدرته على استيعاب القوى الحية في المجتمع، لا الاكتفاء بالنخب السياسية التقليدية. فالشباب الذين كانوا وقود التغيير، والنساء اللواتي لعبن أدوارًا محورية، والمجتمعات المحلية التي تحملت عبء الصراعات، جميعهم يجب أن يكونوا جزءًا من هذه العملية، لا مجرد متفرجين عليها. إن أي حوار لا يعكس التنوع الحقيقي للسودان، سيبقى قاصرًا عن إنتاج حلول مستدامة.
ومن زاوية أخرى، فإن الدعوة إلى حوار سوداني–سوداني تحمل في طياتها رسالة سيادية مهمة: أن حل الأزمة السودانية يجب أن ينبع من الداخل، حتى وإن استدعى دعمًا أو تسهيلًا خارجيًا. فالتجارب أثبتت أن الحلول المفروضة، مهما بدت متقنة على الورق، سرعان ما تتهاوى حين تصطدم بواقعٍ لم يُستشر في صياغتها.
يبقى السؤال الحاسم: هل يمتلك الفاعلون السياسيون الشجاعة الكافية لتقديم التنازلات اللازمة؟ فالحوار، بطبيعته، ليس ساحةً للانتصارات الفردية، بل مساحة لتقاسم المسؤولية. وكل طرف يدخل إليه بعقلية الغلبة، يخرج منه بخسارة مضاعفة، لأن الوطن نفسه يدفع الثمن.
إن إعلان مايو موعدًا لهذا الحوار يضع الجميع أمام ساعة الحقيقة. فإما أن يكون هذا الشهر بداية مسار جديد يُعيد للسودان توازنه، أو أن يتحول إلى محطة أخرى في سلسلة الفرص الضائعة. وبين الاحتمالين، تقف الإرادة السياسية وحدها كفاصلٍ حاسم.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى هذه الدعوة بمعزل عن السياق الأوسع لمسار الدولة السودانية، التي ظلت تتأرجح بين محاولات البناء وموجات الهدم. ولعل ما يميز هذه اللحظة هو أنها تفرض على الجميع، دون استثناء، إعادة التفكير في موقعهم من هذا الوطن: هل هم جزء من أزمته، أم جزء من حله؟ ذلك هو السؤال الذي سيحدد، في نهاية المطاف، ما إذا كان حوار مايو سيكون مجرد حدث عابر، أم نقطة تحول في تاريخ السودان.









