حين تُربك القرارات ميزان الدولة: قراءة في توقيت إحالة العميد طارق كيجاب

في اللحظات التي تعيش فيها الدول اختبارات وجودية، لا تكون القرارات الإدارية مجرد إجراءات روتينية، بل تتحول إلى رسائل سياسية واستراتيجية ذات أبعاد عميقة. ومن هذا المنطلق، تبرز مسألة إحالة العميد طارق كيجاب من الجيش في هذا التوقيت الحرج كقضية تستدعي التأمل والتحليل، ليس فقط من زاوية الإجراء ذاته، بل من حيث دلالاته وسياقاته وما يمكن أن يترتب عليه من آثار داخل المؤسسة العسكرية وخارجها.
إن المؤسسة العسكرية في أي دولة، خاصة في ظل أزمات داخلية وصراعات مسلحة، تمثل عمود الاستقرار الأخير، وأي قرار يمس بنيتها القيادية أو رموزها يجب أن يُقرأ بعناية فائقة. فالتوقيت هنا ليس تفصيلاً عابراً، بل هو جوهر القضية. إذ يأتي القرار في ظرف تتطلب فيه المرحلة أعلى درجات التماسك والانضباط، وتوحيد الصفوف لمواجهة التحديات التي تهدد كيان الدولة ذاته. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الحفاظ على الخبرات العسكرية المتراكمة أمراً لا غنى عنه، لما تمثله من رصيد معرفي ومهني يسهم في إدارة المعركة بكفاءة واتزان.
ومن هنا، يبرز التساؤل المشروع: هل يعكس هذا القرار رؤية مؤسسية تستند إلى معايير مهنية بحتة، أم أنه جاء استجابة لضغوط أو حسابات أخرى؟ هذا السؤال لا يُطرح من باب التشكيك، بل من منطلق الحرص على سلامة القرار العام، خاصة عندما تتقاطع فيه الأبعاد العسكرية مع السياقات السياسية المعقدة.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن إضعاف المؤسسات النظامية، أو إدخالها في دوامات من التجاذبات، يفتح الباب أمام اختلالات خطيرة في توازن الدولة. فالجيش ليس مجرد جهاز تنفيذي، بل هو مؤسسة سيادية تتطلب حماية من أي تأثيرات قد تضعف استقلال قرارها أو تشوش على أولوياتها الوطنية. وفي ظل ما تشهده البلاد من تداعيات حرب مدمرة، فإن أي خطوة قد تُفهم على أنها إعادة ترتيب داخلية غير مدروسة، أو استجابة لضغوط خارج المؤسسة، من شأنها أن تثير القلق وتغذي الشكوك.
كما أن القرارات التي تطال القيادات العسكرية في أوقات الأزمات تحمل في طياتها رسائل متعددة الاتجاهات؛ فهي تُقرأ داخلياً على مستوى الروح المعنوية والانضباط، وتُفهم خارجياً في إطار موازين القوة والاصطفافات. لذلك، فإن غياب الوضوح في مبررات مثل هذه القرارات يفتح المجال واسعاً للتأويل، وهو ما قد يضر أكثر مما ينفع، حتى وإن كانت النوايا حسنة.
ولا يمكن إغفال أن جزءاً من المشهد العام تحكمه روايات متباينة، تتقاطع فيها المصالح والتقديرات، وقد تسعى بعض الأطراف إلى إعادة صياغة موازين النفوذ داخل الدولة عبر التأثير على مراكز القرار. وفي مثل هذه البيئات، يصبح من الضروري التحصن بالمعايير المؤسسية الصارمة، والابتعاد عن أي خطوات قد تُفسر بأنها تنازل أو محاولة لإرضاء جهات كانت – بشكل مباشر أو غير مباشر – جزءاً من الأزمة التي تعيشها البلاد.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في اتخاذ القرار بحد ذاته، بل في ضمان أن يكون هذا القرار منسجماً مع متطلبات المرحلة، ومبنياً على أسس واضحة لا لبس فيها. فالمؤسسات القوية تُبنى على الشفافية، وعلى القدرة على إقناع الرأي العام بأن ما يُتخذ من خطوات إنما يخدم المصلحة الوطنية العليا، وليس نتيجة ضغوط أو تسويات ظرفية.
وفي نهاية المطاف، تبقى الأسئلة مفتوحة، لا من باب الجدل، بل من باب المسؤولية الوطنية: هل يعزز هذا القرار من تماسك المؤسسة العسكرية في هذه المرحلة الحرجة؟ وهل يسهم في ترسيخ الثقة بين القيادة والقواعد؟ أم أنه يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد يحتاج أصلاً إلى أكبر قدر من الوضوح والاستقرار؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة لا تتطلب بيانات رسمية فحسب، بل تحتاج إلى قراءة واعية لطبيعة المرحلة، وإلى إدراك عميق بأن بناء الدول في أزمنة الأزمات لا يحتمل التجريب، بل يستوجب قرارات محسوبة بدقة، تحمي المؤسسات، وتصون هيبتها، وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.




