حين يضعف الصوت… تخسر الدولة معركتها الصامتة!!!!

في خضم التحولات العاصفة التي يشهدها السودان، لا تبدو المعركة عسكرية فحسب، بل هي – في جوهرها – معركة وعي وصورة ورواية. فالدول لا تُقاس قوتها فقط بما تمتلكه من عتاد وسلاح، بل بما تستطيع أن تبنيه من خطاب إعلامي متماسك، قادر على التأثير في الداخل والخارج معًا. ومن هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية لوزارة الثقافة والإعلام والسياحة، بوصفها أحد أعمدة الدولة السيادية، لا وزارة خدمية هامشية يمكن تهميشها أو تقليص دورها دون كلفة باهظة.
إن تهميش الإعلام، سواء على مستوى الوزير أو المؤسسات، لا يعني فقط غياب الصوت الرسمي، بل يعني ترك الساحة مفتوحة للفوضى المعلوماتية، والشائعات، والحرب النفسية التي تُدار بكفاءة عالية من أطراف أخرى. وفي زمن الحروب الحديثة، قد تكون الكلمة أخطر من الرصاصة، والصورة أبلغ من المدفع، والخبر – إذا أُحسن توظيفه – أداة حسم لا تقل أهمية عن أي تقدم ميداني.
لقد جاء قرار سحب صلاحيات الناطق الرسمي من وزارة الثقافة والإعلام والسياحة وتحويلها إلى وزارة الخارجية في إطار إعادة الهيكلة الإدارية، وهو قرار يمكن فهمه من زاوية إعادة توزيع الاختصاصات وتعزيز التنسيق، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات عميقة حول جدوى فصل الإعلام عن مؤسساته الطبيعية، وإسناده إلى جهة ذات طبيعة دبلوماسية تختلف في أدواتها وأولوياتها عن العمل الإعلامي المباشر. فوزارة الخارجية تُخاطب العالم بلغة السياسة، بينما يخاطب الإعلام الداخل والخارج بلغة التأثير الجماهيري، وهي لغة تحتاج إلى أدوات مختلفة وخبرة متخصصة.
وإذا كان الهدف هو توحيد الخطاب الرسمي، فإن ذلك لا يتحقق بنقل الصلاحيات بقدر ما يتحقق ببناء منظومة إعلامية متكاملة، تقوم على التنسيق لا الإزاحة، وعلى التكامل لا الإحلال. فالإعلام ليس وظيفة يمكن نقلها إداريًا، بل منظومة معقدة تتطلب خبرات تراكمية، ومؤسسات فاعلة، وقيادة واعية تدرك طبيعة اللحظة التاريخية.
واللافت في هذا السياق أن وزارة الخارجية، التي أُنيط بها دور الناطق الرسمي، لم تُفعّل هذا الدور بالصورة المطلوبة، إذ لم يتم حتى الآن تعيين ناطق رسمي واضح ومعلن، قادر على إدارة الخطاب الإعلامي الخارجي بكفاءة. وهو فراغ يفتح الباب واسعًا أمام التأويلات، ويضعف قدرة الدولة على تقديم روايتها في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة.
ولعل التجربة السودانية نفسها تقدم نماذج ناجحة يمكن الاستفادة منها، حيث كان السفراء في فترات سابقة يقومون بدور الناطق الرسمي بكفاءة عالية. ويبرز هنا اسم السفير (علي الصادق،) الذي كان متاحًا للإعلاميين، ومتفاعلًا مع المؤسسات الإعلامية، ما أسهم في بناء جسور من الثقة والوضوح. كذلك يظل السفير ( العبيد مروح) المدير العام الأسبق للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون أحد أهم وأبرز الأسماء التي أدت هذا الدور بتميز، حيث جمع بين الخبرة الإعلامية والحنكة الدبلوماسية، وهو مزيج نادر تحتاجه المرحلة الراهنة بشدة… فهل وزير الخارجيه الذي عرف عنه انه يقدر الإعلام والإعلاميين أن يأتي بالاستاذ العبيد مروح مره اخرى خاصة لإدارة خطاب إعلامي مهم ومطلوب لهذه المرحلة!!؟؟؟
إن إعادة مثل هذه الكفاءات إلى موقع التأثير، أو الاستفادة من خبراتها في بناء خطاب إعلامي متماسك، لم تعد ترفًا، بل ضرورة وطنية ملحة. فالساحة اليوم تعاني من فراغ معلوماتي كبير، في وقت تتسارع فيه الأحداث، وتشتد فيه الحاجة إلى خطاب رسمي واضح، يواكب التطورات، ويغذي الرأي العام بالمعلومة الدقيقة، ويمنع تسرب الشائعات.
وفي ذات السياق، فإن ضعف الأداء الإعلامي للحكومة، رغم التقدم العسكري المتوقع في مواجهة التمرد، يمثل فجوة خطيرة قد تُفقد هذه الإنجازات قيمتها المعنوية والسياسية. فالمعركة لا تُكسب فقط في الميدان، بل تُكسب أيضًا في عقول الناس ووجدانهم، وهو ما يتطلب حضورًا إعلاميًا قويًا، متماسكًا، ومهنيًا.
ومن هنا تبرز أهمية تعيين ملحقين إعلاميين في السفارات السودانية، خاصة في دول الجوار، لما لهذا الدور من تأثير مباشر في تشكيل الصورة الذهنية عن السودان. وتأتي القاهرة في مقدمة هذه العواصم، بحكم العلاقات التاريخية والاستراتيجية مع مصر، وبحكم ثقلها الإعلامي في المنطقة. وفي هذا الإطار، يبرز اسم عادل الصول كأحد الكفاءات التي يمكن أن تضيف قيمة حقيقية لهذا الموقع، لما يمتلكه من خبرات واسعة، وعلاقات متميزة مع المؤسسات الإعلامية المصرية، وقدرة على بناء جسور تواصل فعالة تخدم المصالح السودانية.
إن إصلاح قطاع الإعلام لا يمكن أن يتم عبر قرارات جزئية أو معالجات سطحية، بل يتطلب رؤية شاملة تعيد الاعتبار لدور الإعلام كأداة سيادية، وتعمل على بناء مؤسسات قوية، وتفعيل التنسيق بين الوزارات، وتوضيح الصلاحيات بشكل دقيق، بما يمنع التداخل ويعزز الكفاءة.
كما أن الشفافية والمسؤولية الوطنية في التعامل مع الرأي العام لا تتحقق بالشعارات، بل بالممارسة اليومية، عبر تقديم المعلومات في وقتها، والاعتراف بالتحديات، والتواصل المستمر مع المواطنين. فالثقة، إذا فُقدت، يصعب استعادتها، وإذا تراجعت، تراجعت معها قدرة الدولة على الحشد والتأثير.
وفي ظل التغييرات التي أجراها رذيس مجلس السيادة الفريق أول ركن (عبد الفتاح البرهان،) وما صاحبها من تفاؤل بإمكانية تسريع الحسم العسكري، يبقى السؤال الأهم: هل ستواكب هذه التحولات إصلاحات حقيقية في قطاع الإعلام؟ أم سيظل هذا القطاع الحلقة الأضعف في منظومة الدولة؟
إن الإجابة على هذا السؤال لا تتوقف على القرارات، بل على الإرادة السياسية، وعلى إدراك عميق بأن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل صانع للواقع، وشريك في رسم ملامح المستقبل. فإذا أرادت الدولة أن تنتصر في معركتها الكبرى، فعليها أن تعيد الاعتبار لصوتها… لأن الصمت في زمن الضجيج هزيمة لا تُغتفر.




