راي

 

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتبدل الوجوه، تبقى بعض القامات عصيّة على النسيان، لأن أثرها لا يُقاس بالمناصب التي تقلدتها، بل بما تركته من بصمات في الوجدان الوطني والذاكرة المهنية. ومن بين هذه القامات المضيئة يبرز اسم الأستاذ والخبير الإعلامي معتصم فضل عبد القادر، أحد أبرز أبناء الإذاعة السودانية الذين وهبوا أعمارهم للكلمة الصادقة والعمل المهني النبيل، حتى غدا اسمه جزءاً من تاريخ الإذاعة السودانية الحديثة.

ولذلك لم يكن التكريم الذي حظي به في العاصمة السعودية الرياض من قبل الإعلاميين السودانيين بالمملكة العربية السعودية مجرد احتفاء بشخصية إعلامية، بل كان احتفاءً بتاريخ كامل من العطاء، ورسالة وفاء لرجل أعطى مؤسسات الدولة أكثر مما أخذ منها، وظل يحمل همّ الإذاعة السودانية في قلبه وعقله طوال سنوات عمره المهني.

لقد أسعدني هذا التكريم وأعاد إلى الذاكرة سنوات مضيئة من تاريخ الإذاعة السودانية، حين كانت الإذاعة تمضي بخطى واثقة نحو التطور والتأثير، وحين كان الأستاذ معتصم فضل أحد أبرز صناع ذلك النجاح. فقد عرفناه مديراً وقائداً ومعلماً، وعرفناه قبل ذلك مبدعاً خلف الميكروفون، وصوتاً إذاعياً راقياً يمتلك ناصية اللغة وجمال الأداء وحسن التقديم.

ينتمي معتصم فضل إلى ذلك الجيل الذهبي الذي لم يصل إلى المواقع القيادية بالمصادفة أو بالمجاملات، بل عبر مسيرة طويلة من الاجتهاد والتدرج المهني. بدأ من المواقع التنفيذية والبرامجية، وعرف تفاصيل العمل الإذاعي الدقيقة، وتنقل بين الأقسام المختلفة حتى أصبح واحداً من أكثر أبناء الإذاعة إلماماً بخفاياها وأسرار نجاحها.

ولعل ما ميّزه عن كثيرين أنه لم يكن مجرد إداري يجلس خلف المكاتب، بل كان إعلامياً ممارساً يعرف قيمة الفكرة وقيمة البرنامج وقيمة المبدعين الذين يقفون خلف الإنتاج الإذاعي. لذلك استطاع أن يجمع بين صرامة الإدارة وروح الفنان، وبين الانضباط المؤسسي والقدرة على احتضان المواهب وتشجيع المبدعين.

وخلال سنوات إدارته للإذاعة السودانية شهدت المؤسسة حالة من الحراك المهني والثقافي اللافت، حيث ازدهرت البرامج وتنوعت المضامين وتعززت مكانة الإذاعة بوصفها مؤسسة وطنية جامعة تخاطب وجدان السودانيين على اختلاف أعمارهم وثقافاتهم ومواقعهم الجغرافية. وكان حريصاً على أن تظل الإذاعة بيتاً مفتوحاً للمثقفين والشعراء والفنانين والكتاب، وأن تبقى منبراً للتنوير وحفظ التراث وتعزيز الهوية الوطنية.

ومن يعرف الأستاذ معتصم عن قرب يدرك أن أهم ما يميزه ليس فقط خبرته المهنية الواسعة، وإنما إنسانيته الرفيعة وتواضعه الجم وحرصه على العدل بين الناس. كان رجل حق وحقيقة، لا يجامل على حساب المهنية، ولا يتعامل مع العاملين بمنطق السلطة، بل بمنطق الزمالة والاحترام المتبادل. ولذلك حظي بمحبة واسعة داخل المؤسسة وخارجها، وظل اسمه محل تقدير لدى الأجيال المختلفة من الإعلاميين.

لقد عملت تحت إدارته، وشهدت عن قرب كيف كان يتعامل مع القضايا المهنية بعقل مفتوح وحكمة واتزان، وكيف كان ينحاز دائماً للمؤسسة وللعمل الجاد وللقيم المهنية الراسخة. وكان يؤمن بأن نجاح الإذاعة لا يصنعه المدير وحده، بل تصنعه روح الفريق وتكامل الجهود واحترام الكفاءات.

وإذا كانت المؤسسات العظيمة تُقاس برجالها، فإن الإذاعة السودانية مدينة لكثير من أبنائها الأوفياء الذين حافظوا على مكانتها عبر العقود، ويأتي الأستاذ معتصم فضل عبد القادر في مقدمة هؤلاء الذين أسهموا في حماية هذا الإرث الوطني الكبير وصيانة رسالته الثقافية والإعلامية.

إن التكريم الحقيقي لا تصنعه الدروع والشهادات، بل تصنعه محبة الناس واعتراف الأجيال بالعطاء. ولهذا فإن أجمل ما في تكريم الرياض أنه جاء من زملاء المهنة وتلاميذ التجربة وعشاق الإذاعة السودانية، فجاء محملاً بمعاني الوفاء والعرفان أكثر من أي شيء آخر.

التحية للإعلاميين السودانيين بالمملكة العربية السعودية وهم يرسلون هذه الرسالة النبيلة في زمن أصبح الوفاء فيه عملة نادرة. والتحية للأستاذ معتصم فضل عبد القادر، الذي ظل نموذجاً للإعلامي المهني والإنسان النبيل والقائد الحكيم.

إن الرجال الذين يخلصون لأوطانهم ومؤسساتهم لا يغيبون عن الذاكرة مهما تعاقبت السنوات، لأنهم يتركون وراءهم أثراً يشبه الضوء، يظل حاضراً في النفوس، شاهداً على زمن جميل كانت فيه الإذاعة السودانية تصنع الوعي والجمال وتجمع السودانيين حول صوت واحد وقلب واحد.

فمبارك للأستاذ معتصم فضل عبد القادر هذا التكريم المستحق، ومبارك للإذاعة السودانية أن أنجبت رجالاً من طينته، ومبارك لكل جيل إعلامي يجد في سيرته درساً في المهنية والوفاء والانتماء الصادق للوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى