راي

الجيش يرسم ملامح الأمل ويعيد هيبة الدولة

 

مع كل تقدم ميداني تحرزه القوات المسلحة في محوري كردفان والنيل الأزرق، تتغير الخريطة ليس على الأرض وحدها، بل في وجدان السودانيين المهجرين وفي معادلة العودة إلى الديار.

إن البعد الاستراتيجي لهذا التقدم لا يقاس بالكيلومترات، فكردفان بثقلها السكاني والزراعي، والنيل الأزرق بموقعها الرابط بين الجنوب الشرقي والغرب، شريان حيويان لاستقرار البلاد. واستقرارهما يعني فتح طرق التجارة، وعودة الموسم الزراعي، وتأمين الحزام الذي ظل لسنوات مصدراً للنزوح المتكرر.

وتجسد عملية تطهير طريق “الغربي أم درمان – بارا” في كردفان معنى عملياً لعودة مدن الخوي والنهود إلى حضن الدولة. كما أن المسافة من هناك إلى أم كدادة والكومة ثم الفاشر لم تعد مستعصية كما كانت من قبل. وعندما يعود الأمان إلى الطريق الرابط بين الأبيض والدلنج، وبين الدمازين والروصيرص، يتحول قرار العودة من مجازفة محفوفة بالمخاطر إلى خيار واقعي. فالعائلات التي انتظرت أعواماً في المعسكرات ودول الجوار تبدأ الآن في حساب العودة بالأشهر لا بالسنوات.

وبالموازاة مع ذلك، فإن استعادة الدولة لسيطرتها على شمال دارفور ستعني انفراط عقد التمرد في بقية الولايات تباعاً، خاصة مع المناورات الأخيرة للقوات المسلحة في المناطق الحدودية مع تشاد، والتي نجحت في قطع أهم خطوط الإمداد. وفي إقليم النيل الأزرق، وبعد تطهير منطقة الكرمك، باتت أكثر من 80% من مساحة الإقليم تحت سيطرة الحكومة. وكما أن كردفان تُعد سلة للصمغ العربي والثروة الحيوانية، فإن النيل الأزرق يمثل منطقة زراعية وحدودية مهمة. وعودة الاستقرار إليهما تعني عودة الأسواق وفرص العمل، وتوفر أسباب الحياة التي تجعل البقاء في المهجر خياراً أقل جاذبية.

لقد أرسلت عملية “الذراع الطويل” والخطة الاستراتيجية التي تنفذها القوات المسلحة باحترافية عالية لتحرير كل الأراضي التي استباحتها مليشيا الدعم السريع، رسالة مباشرة مفادها أن الدولة حاضرة وقادرة. وفي القرى التي أُخليت من قبل، بدأ الحديث يدور حول إعادة فتح المدارس والمراكز الصحية. وفي مدن الإيواء تحول السؤال من “متى نعود؟” إلى “بأي ترحيل سنعود؟”.

ومع اقتراب اكتمال تحرير المدن الكبرى، يظل التحدي الأكبر متمثلاً في منطقتي كاودا التي تسيطر عليها الحركة الشعبية بقيادة عبدالعزيز الحلو، وجبل مرة التي تسيطر عليها قوات حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور. وهاتان المنطقتان لا تمثلان تحدياً أمنياً وعسكرياً فحسب، بل تمثلان أيضاً بعداً نفسياً وسيادياً لكل الحادبين على وحدة التراب السوداني. فلا تكتمل هيبة الدولة، ولا يكتمل شعور المواطن بالعودة الشاملة، ما لم ترف راية الوطن فوق كل شبر منه.

إن ما يجري في كردفان والنيل الأزرق اليوم ليس معركة مواقع فحسب، بل هو معركة لاستعادة الثقة بين الدولة ومواطنيها. فالتقدم العسكري يمثل الخطوة الأولى، بينما تكمن الخطوة الثانية والأصعب في تأمين الخدمات، وإزالة الألغام، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ونزع فتيل النزاعات الأهلية. وبدون ذلك ستظل العودة هشة وتحتاج إلى وقت طويل.

كل قرية تعود إلى حضن الوطن، وكل طريق يتم تأمينه، هو دعوة عملية للمواطن كي يغلق باب الغربة ويفتح باب بيته. لقد بدأت العودة بالبندقية، وستكتمل بالمدرسة والمستشفى والمصنع والحقل.

*وللمداد بقية*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى