أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد دكتور مزمل سليمان حمد مستشفى الدامر بين الإهمال الرسمي وأولوية المسؤولين: من ينقذ حياة المواطنين في ولاية نهر النيل؟

في الوقت الذي تتسابق فيه الحكومات في مختلف أنحاء العالم لتطوير مؤسساتها الصحية باعتبارها خط الدفاع الأول عن حياة المواطنين وكرامتهم الإنسانية، يواجه مستشفى الدامر التعليمي، أحد أهم المؤسسات الصحية بولاية نهر النيل، واقعاً بالغ القسوة والتعقيد، واقعاً لا يليق بمستشفى يخدم مئات الآلاف من المواطنين يومياً ويستقبل المرضى من مختلف محليات الولاية والولايات المجاورة.
لقد أصبح من المؤلم أن يرى المواطن حجم التدهور الذي أصاب هذا الصرح الطبي العريق، بينما تنصرف اهتمامات الجهات الرسمية إلى قضايا أخرى أقل أهمية وإلحاحاً من صحة الإنسان وحياته. فمستشفى الدامر التعليمي لا يعاني من نقص عابر أو أزمة مؤقتة، وإنما يواجه تحديات هيكلية حقيقية تتطلب تدخلاً عاجلاً وشاملاً قبل أن تتحول إلى كارثة صحية وإنسانية.
إن أي زائر للمستشفى يلحظ حجم الضغط الهائل الواقع على الكوادر الطبية والصحية التي تعمل في ظروف استثنائية، وتبذل جهوداً كبيرة رغم ضعف الإمكانات وقلة الموارد. ومع ذلك، فإن الإرادة وحدها لا تكفي لإنقاذ الأرواح عندما تكون البنية التحتية متهالكة والخدمات الأساسية تعاني من قصور واضح.
ومن أكثر المشاهد إيلاماً أن عربة الإسعاف الوحيدة التي يعتمد عليها المستشفى أصبحت خارج الخدمة أو تعاني من أعطال متكررة، في وقت تشهد فيه الولاية زيادة مستمرة في الحوادث والإصابات والحالات الطارئة. إن وجود مستشفى مرجعي بحجم مستشفى الدامر دون أسطول إسعاف متكامل يمثل خللاً خطيراً يهدد حياة المرضى، خاصة في الدقائق الأولى الحرجة التي قد تفصل بين الحياة والموت.
ولا تتوقف المشكلات عند هذا الحد، فشبكة المياه الداخلية بالمستشفى أصبحت بحاجة ماسة إلى إعادة تأهيل وتجديد شامل. ومن المعروف أن المياه ليست خدمة ثانوية في المستشفيات، بل هي عنصر أساسي في مكافحة العدوى وتشغيل الأقسام الطبية والمحافظة على البيئة الصحية المناسبة للمرضى والعاملين. وأي خلل في هذه الشبكة ينعكس مباشرة على جودة الخدمات الصحية وسلامة المرضى.
كما أن أزمة الكهرباء والانقطاعات المتكررة تجعل من الضروري إنشاء وحدة طاقة شمسية متكاملة تخدم أقسام الطوارئ والإصابات والعمليات والعناية المكثفة وبقية مرافق المستشفى. فالاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية وحدها في ظل الظروف الحالية لم يعد خياراً آمناً، خاصة أن توقف الكهرباء في غرفة عمليات أو قسم عناية مكثفة قد يعني فقدان أرواح كان يمكن إنقاذها.
إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين أولويات حكومة ولاية نهر النيل؟ وكيف يمكن تبرير استمرار هذا الوضع بينما تنفق الأموال على شراء العربات الحكومية وتوزيعها على المسؤولين وتوفير الامتيازات الإدارية المختلفة؟ كيف يمكن إقناع المواطن بأن الموارد غير متوفرة لتأهيل مستشفى يخدم مئات الآلاف بينما تتوفر لشراء المركبات والمخصصات والمكاتب الفاخرة؟
لقد تابع المواطنون بقلق بالغ ما جرى للسوق القديم بالدامر، حيث تم هدمه وسط تساؤلات واسعة لم تجد إجابات مقنعة حتى الآن. كما انتشرت معلومات متداولة عن بيع الموقع أو أجزاء منه بمبالغ اعتبرها كثيرون أقل من قيمته الحقيقية، فضلاً عن الحديث عن شركات وأطراف لا يعرف الرأي العام الكثير عن هويتها أو طبيعة الإجراءات التي تمت بها تلك التصرفات. وحتى إذا كانت هذه المعلومات بحاجة إلى تأكيد رسمي، فإن واجب الحكومة يقتضي الشفافية الكاملة وإطلاع المواطنين على الحقائق، لأن المال العام ملك للشعب وليس حكراً على أحد.
ولو تم توجيه جزء يسير من الأموال التي تُهدر في بنود غير إنتاجية نحو القطاع الصحي، لأمكن توفير سيارات إسعاف حديثة، وتأهيل البنية التحتية للمستشفى، وتحديث الأجهزة الطبية، وإنشاء منظومة طاقة شمسية مستدامة، وتحسين بيئة العمل للأطباء والممرضين والفنيين.
إن مستشفى الدامر التعليمي ليس مجرد مبنى حكومي، بل هو المؤسسة التي يلجأ إليها الفقير قبل الغني، والمريض قبل السليم، والمواطن عندما تضيق به السبل. وهو المكان الذي تختبر فيه الحكومات مدى التزامها الحقيقي تجاه شعوبها. فالحكومات لا تُقاس بعدد السيارات التي تشتريها، ولا بعدد المشروعات الدعائية التي تعلنها، وإنما تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان وتوفير الخدمات الأساسية له.
إن الواجب الوطني والأخلاقي والإنساني يفرض على حكومة ولاية نهر النيل، وعلى وزارة الصحة الاتحادية، وعلى أبناء الولاية ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني، إطلاق حملة عاجلة لإنقاذ مستشفى الدامر التعليمي وتأهيله تأهيلاً شاملاً. المطلوب اليوم ليس الوعود ولا التصريحات، بل خطة عملية واضحة تبدأ فوراً بتوفير سيارات إسعاف جديدة، وتجديد شبكة المياه الداخلية، وإنشاء محطة طاقة شمسية متكاملة، وتأهيل الأقسام الحيوية، وتوفير الأجهزة والمعدات الطبية الضرورية.
فالتاريخ لا يذكر الحكومات بما امتلكته من سيارات ومكاتب، وإنما يذكرها بما قدمته للناس من خدمات وما أنقذته من أرواح. أما المواطن البسيط الذي ينتظر العلاج على سرير متهالك أو يفقد عزيزاً بسبب تعطل سيارة إسعاف أو انقطاع الكهرباء، فلن تعنيه المبررات الإدارية ولا البيانات الرسمية، لأنه يدفع الثمن من صحته وحياته ومستقبل أسرته.
لقد آن الأوان لأن تصبح صحة المواطن أولوية حقيقية لا شعاراً موسمياً، وأن يجد مستشفى الدامر التعليمي المكانة التي يستحقها باعتباره أحد أهم المؤسسات الصحية في السودان. فالاستثمار في المستشفيات ليس إنفاقاً استهلاكياً، بل استثمار في الإنسان، والإنسان هو الثروة الحقيقية التي تقوم عليها الأوطان وتنهض بها الأمم.








