حين ينهض صوت الوطن من جديد: لماذا يجب إعادة بناء الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون الآن؟

لم يكن الخبر المتعلق باجتماع وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة الأستاذ خالد الإعيسر مع لجنة إصلاح البيئة العامة بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون مجرد خبر إداري عابر، بل يمكن النظر إليه باعتباره إشارة مهمة إلى بداية مرحلة جديدة في مسار إصلاح واحدة من أهم المؤسسات الوطنية في السودان. فالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ليست مجرد مبانٍ أو أجهزة بث، بل هي ذاكرة وطن، ومنبر ثقافة، ومرآة مجتمع، وأداة سيادية لصناعة الوعي العام وبناء الهوية الوطنية.
لقد لعبت الإذاعة والتلفزيون في السودان عبر عقود طويلة دوراً مركزياً في تشكيل الوجدان الوطني، وكانت منبراً للتنوير والتعليم ونقل المعرفة والفنون. ومن داخل استديوهات أم درمان انطلقت أصوات المبدعين والرواد، وتكوّنت ذاكرة سمعية وبصرية أصبحت جزءاً من التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي للسودان. غير أن ما شهدته البلاد في السنوات الأخيرة، ولا سيما تداعيات الحرب، ألقى بظلاله الثقيلة على هذه المؤسسة العريقة، فتضررت بنيتها التحتية، وتشتت كوادرها، وتعطلت بعض أدوارها الحيوية.
لذلك فإن الحديث عن إعادة تأهيل المباني والواجهات والساحات والحدائق داخل الهيئة، كما جاء في الاجتماع الأخير، هو خطوة مهمة لكنها يجب أن تكون جزءاً من مشروع إصلاحي أكبر وأعمق، مشروع يعيد بناء الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون على أسس حديثة، مؤسسية وقانونية وتقنية، تليق بدورها في مرحلة إعادة بناء الدولة السودانية.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ أولاً بتطوير الإطار القانوني الذي يحكم عمل الهيئة. فالأمر التأسيسي للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لسنة 2014م لم يعد كافياً لمواكبة التحولات الإعلامية والتقنية التي يشهدها العالم، ولا التحديات الوطنية الجديدة. لذلك تبرز ضرورة تطوير هذا الأمر التأسيسي ليصبح قانوناً حديثاً لعمل الهيئة في عام 2026م، يحدد بوضوح طبيعة المؤسسة، واختصاصاتها، وعلاقتها بالدولة والمجتمع، ويضمن استقلاليتها المهنية والإدارية، ويضع أسساً واضحة للحكم الرشيد داخلها.
وبموجب هذا القانون الجديد ينبغي إعادة بناء الهياكل الإدارية والتنظيمية للهيئة بصورة علمية حديثة، تقوم على الكفاءة والتخصص والشفافية. فالمؤسسات الإعلامية الكبرى في العالم لا تدار بالاجتهادات الفردية أو المزاج الشخصي، وإنما بمنظومات مؤسسية واضحة المعالم، تعتمد التخطيط الاستراتيجي وتوزيع المسؤوليات وفق هياكل مدروسة.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الإسراع في تشكيل مجلس إدارة للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وفق القانون الجديد، ليكون الجسم الحاكم الذي يتولى رسم السياسات العامة للمؤسسة ومراقبة أدائها وضمان حسن إدارتها. فمجلس الإدارة هو الضامن لاستقرار القرار المؤسسي، وهو الذي يحمي المؤسسة من التقلبات الإدارية أو التدخلات غير المهنية.
كما أن عملية الإصلاح لا يمكن أن تنجح دون إشراك العاملين في الهيئة أنفسهم في صياغة مستقبل مؤسستهم. فالعاملون بالإذاعة والتلفزيون هم أصحاب الخبرة المتراكمة والمعرفة العملية بطبيعة العمل الإعلامي داخل المؤسسة، وهم الأقدر على تشخيص مشكلاتها واقتراح الحلول المناسبة لها. ولذلك ينبغي أن يكونوا شركاء حقيقيين في أي خطة استراتيجية لإعادة البناء، لا مجرد منفذين لقرارات تُتخذ خارج بيئة العمل.
لقد أجبرت ظروف الحرب كثيراً من الإذاعيين والعاملين على العمل في مناطق متباعدة داخل السودان وخارجه، وهو وضع استثنائي فرضته الضرورة. ومن العدالة المهنية والإنسانية العمل على إنصاف هؤلاء الزملاء، وإعادة ترتيب أوضاعهم الوظيفية، وضمان حقوقهم كاملة، إلى جانب العمل على استعادة البث الكامل من أم درمان باعتبارها القلب التاريخي للإذاعة والتلفزيون السوداني.
ولا يكتمل مشروع الإصلاح دون معالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي لحقت بالعاملين جراء ظروف الحرب. فهناك قضايا ملحة تتعلق بالمعاشيين الذين أفنوا سنوات طويلة في خدمة الإعلام الوطني، وهؤلاء يستحقون معالجة عاجلة وعادلة لقضاياهم وتسوية حقوقهم المالية والإدارية بصورة كريمة تليق بما قدموه. كما أن المتعاونين الذين ظلوا يعملون لسنوات في دعم البرامج والإنتاج الإعلامي يحتاجون إلى تسوية أوضاعهم بصورة قانونية واضحة تضمن حقوقهم وتحدد التزاماتهم.
ومن الجوانب المهمة في عملية إعادة البناء أيضاً تنفيذ قرار مجلس الوزراء رقم 119 الخاص بإعادة الولايات للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون. فالإعلام القومي لا يكتمل حضوره دون شبكة قوية من الإذاعات والتلفزيونات الولائية التي تعكس تنوع السودان الثقافي والجغرافي والاجتماعي. وإعادة هذه الولايات إلى مظلة الهيئة سيسهم في بناء منظومة إعلامية متكاملة تربط المركز بالأقاليم وتمنح كل ولاية فرصة التعبير عن خصوصيتها الثقافية والتنموية.
أما على الصعيد الفني والتقني، فإن عملية التحديث يجب أن تتم وفق ضوابط مهنية دقيقة، من خلال لجان هندسية وتقنية متخصصة تشرف على اختيار المعدات والأجهزة اللازمة للبث والإنتاج. فالمعدات التي شرعت الوزارة في شرائها للهيئة ينبغي أن تخضع لمعايير فنية وهندسية صارمة، وأن يتم اختيارها بناءً على احتياجات العمل الفعلية وخطط التطوير المستقبلية، لا وفق الآراء الشخصية أو الاجتهادات الفردية لبعض من يديرون الملفات حالياً.
كما ينبغي أن تتكامل اللجان الهندسية مع لجان برمجية وإعلامية وقانونية تعمل معاً في إطار رؤية استراتيجية واحدة. فالنجاح في بناء مؤسسة إعلامية حديثة لا يتحقق بتحديث الأجهزة فقط، بل بتطوير المحتوى البرامجي، وبناء سياسات تحريرية واضحة، وتحديث نظم الإدارة والتشغيل.
إن الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون تمتلك تاريخاً عريقاً وكوادر مهنية عالية التأهيل وخبرة متراكمة تمتد لعقود، وهي عناصر قوة حقيقية يمكن البناء عليها في مرحلة الإصلاح. لكن هذه الإمكانات تحتاج إلى رؤية واضحة وإرادة مؤسسية جادة تعيد ترتيب البيت من الداخل وتضع المؤسسة على طريق المستقبل.
إن إعادة بناء الهيئة ليست قضية إدارية فحسب، بل هي قضية وطنية وثقافية تتعلق بمستقبل الإعلام السوداني ودوره في بناء السلام وترسيخ الوحدة الوطنية وتعزيز الوعي العام. فالدول التي تمر بظروف انتقالية أو ما بعد الحروب تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إعلام وطني قوي ومسؤول يسهم في ترميم النسيج الاجتماعي ويقدم خطاباً عقلانياً متوازناً يعبر عن تطلعات المجتمع.
ومن هنا فإن الخطوة التي بدأت بهذا الاجتماع ينبغي أن تتطور إلى مشروع إصلاح شامل يعيد للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون مكانتها ودورها التاريخي، ويجعل منها مؤسسة إعلامية حديثة قادرة على مواكبة العصر والتعبير عن السودان الجديد الذي يتطلع إليه شعبه.
فحين تنهض الإذاعة والتلفزيون من جديد، لا ينهض جهاز إعلامي فحسب، بل ينهض صوت وطن بأكمله.



