أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد… حين يحنّ الصوت إلى موطنه: لماذا تتأخر العودة الكاملة للإذاعة والتلفزيون إلى أم درمان؟
دكتور مزمل سليمان حمد

ليس ثمة مؤسسة إعلامية في السودان ارتبطت بوجدان الناس كما ارتبطت الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بتاريخ البلاد وذاكرتها الحية. فمنذ البدايات الأولى للبث من أم درمان، ظل صوت الإذاعة السودانية وصورة التلفزيون السوداني جزءاً أصيلاً من حياة الناس، شاهداً على الأفراح والأحزان، وعلى التحولات الكبرى التي مرت بها البلاد. رغم الحكم القاسي الذي تعرضت له إلاذاعه والتلفزيون من الحكومات المتعاقبه لم تكن تلك المؤسسة مجرد مبانٍ وأجهزة بث، بل كانت مدرسة وطنية كبرى خرجت أجيالاً من المبدعين والمثقفين والإعلاميين الذين صاغوا وجدان الأمة وعبّروا عن تنوعها الثقافي والاجتماعي.
واليوم، وفي ظل الظروف الاستثنائية التي مرّ بها السودان خلال سنوات الحرب، يظل السؤال الذي يتردد في أوساط العاملين بالهيئة والجمهور على السواء: لماذا يتأخر قرار العودة الكامله إلى العاصمة الخرطوم، وإعادة البث من أم درمان، رغم أن مجلس السيادة ومجلس الوزراء دعوا صراحة إلى عودة المؤسسات ومزاولة أعمالها من العاصمة؟ ولمصلحة من يستمر هذا التأخير؟ صحيح تم الاحتفال باليوم العالمي للراديو في احتفاليه غاب عنها اهل المصلحة( المحتفي بهم)!؟؟؟!!!!
الحقيقة التي لا يختلف حولها اثنان أن منسوبي الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وعددهم يفوق الف موظف وموظفه نصفهم لم يغادر ام درمان ولكنهم ظلوا مغيبين عن مؤسستهم. وبحكم البث كان ومازال من عطبرة و بورتسودان.. الا انهم ظلوا، طوال هذه الفترة العصيبة، أكثر الفئات تمسكاً بمؤسستهم وأكثرها شوقاً للعودة إلى مقرها التاريخي. فهم يدركون أن الإعلام الوطني لا يكتمل دوره الحقيقي إلا عندما يكون قريباً من نبض الناس ومركز الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية. ولذلك ظل الحنين إلى أم درمان، بكل ما تحمله من رمزية تاريخية وثقافية، يسكن وجدان العاملين كما يسكن وجدان جمهورهم العريض.
إن العلاقة بين المبدع ومؤسسته الإعلامية ليست علاقة وظيفية باردة، بل علاقة وجدانية عميقة متجدده تشبه علاقة الإنسان بوطنه. ولعل كلمات المبدع عبد العزيز العميري تختصر هذا الإحساس الصادق حين قال:
أي صوتٍ راجيهو صوتك
وأي شريانٍ فيك وريدي
الزمن قاسي الملامح
وانت نوارة قصيدي
ما اشتكيت لوردة غيرك
وما لمست سوى حريرك
وكلما هاجت شواغل
ما نشدت بدل مصيرك
بهذه الروح تولد علاقة الحب والانتماء بين المبدع ومؤسسته، وهي علاقة لا يمكن أن تُفهم بمنطق الإدارة البيروقراطية أو الحسابات الضيقة. فالمؤسسة بالنسبة لمنسوبيها ليست مجرد موقع عمل، بل فضاء للإبداع وبيت للذاكرة الوطنية.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي يؤخرالعوده الكاملة للإذاعة والتلفزيون إلى مقرهما الطبيعي في أم درمان؟ وهل يتعلق الأمر بعقبات فنية أو إدارية، أم أن هناك حسابات أخرى لا يدركها العاملون ولا الجمهور؟
لكن المنطق يقول طالما اعيد البث من ام درمان لماذا تم الاكتفاء بساعات قليله ثم العودة مره اخرى لعطبره و بورتسودان
لا شك أن إعادة الإعمار وترميم البنية التحتية للمؤسسات الإعلامية بعد الحرب يتطلب جهداً كبيراً وموارد مالية وتقنية. فالمباني والاستديوهات وأجهزة الإرسال تحتاج إلى تقييم فني دقيق، كما أن شبكات البث تحتاج إلى إعادة تأهيل. لكن هذه التحديات، مهما كانت صعبة، لا يمكن أن تبرر حالة الجمود الطويلة، خاصة إذا توفرت الإرادة السياسية الواضحة التي عبّر عنها قرار مجلس السيادة ومجلس الوزراء بعودة المؤسسات إلى العاصمة.
إن التأخير في إعادة البث كاملا من أم درمان لا يضر فقط بالعاملين في الهيئة، بل يحرم ملايين السودانيين من مؤسسة إعلامية وطنية لعبت دوراً محورياً في تشكيل وعيهم الجمعي. ففي زمن الأزمات والتحولات الكبرى، يصبح الإعلام الوطني أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنه القادر على توحيد الخطاب الوطني وتعزيز روح التضامن بين المواطنين.
كما أن استمرار غياب البث كاملا من أم درمان يفتح المجال أمام فراغ إعلامي قد تملؤه منصات غير مهنية أو وسائل إعلام لا تعبّر بالضرورة عن المصلحة الوطنية. ولهذا فإن عودة الإذاعة والتلفزيون ليست مجرد مسألة إدارية، بل قضية تتعلق بالأمن الثقافي والإعلامي للبلاد.
وفي هذا السياق، لا بد أيضاً من النظر إلى العودة المرتقبة باعتبارها فرصة لإعادة التفكير في خارطة البرامج الإعلامية بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الراهنة والمرحلة القادمة. فالسودان يمر اليوم بمرحلة تاريخية دقيقة تتطلب خطاباً إعلامياً جديداً يعكس تطلعات الناس نحو السلام وإعادة البناء والاستقرار.
إن خارطة البرامج في الإذاعة والتلفزيون يجب أن تعكس أولويات المجتمع في هذه المرحلة، من خلال برامج تعزز ثقافة السلام والتعايش، وتسلط الضوء على جهود إعادة الإعمار، وتدعم روح الأمل لدى المواطنين الذين عانوا من ويلات الحرب. كما ينبغي أن تُفسح مساحة أكبر للإبداع الشبابي وللمبادرات الثقافية التي تعكس تنوع السودان وغناه الحضاري.
ومن الضروري كذلك تطوير المحتوى الإعلامي ليتواكب مع التحولات التكنولوجية الحديثة، بحيث تصبح الإذاعة والتلفزيون جزءاً من منظومة إعلامية متعددة المنصات تشمل البث الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى تتمكن من الوصول إلى الأجيال الجديدة التي تغيرت عاداتها الإعلامية بشكل كبير.
إن عودة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون للبث الكامل إلى أم درمان يجب ألا تكون مجرد عودة شكلية إلى المباني القديمة، بل ينبغي أن تكون بداية لمرحلة جديدة من التحديث المؤسسي والمهني، تعيد للإعلام الوطني مكانته ودوره الريادي في الحياة العامة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: من المسؤول عن هذا التأخير؟ وهل هناك خطة زمنية محددة لإعادة تشغيل البث من أم درمان؟ إن الشفافية في الإجابة عن هذه الأسئلة أصبحت ضرورة، ليس فقط احتراماً للعاملين في الهيئة الذين ظلوا متمسكين بمؤسستهم رغم الظروف القاسية، بل أيضاً احتراماً للجمهور الذي يحق له أن يرى مؤسسته الإعلامية الوطنية تعود إلى مكانها الطبيعي في قلب العاصمة.
فالإذاعة والتلفزيون في السودان ليسا مجرد وسيلتي إعلام، بل هما جزء من ذاكرة الوطن وصوته الحي. وكل يوم يتأخر فيه البث من أم درمان هو يوم يتأخر فيه صوت السودان عن الوصول إلى أبنائه.
وربما لهذا السبب يظل الحنين إلى تلك اللحظة التي يعود فيها الصوت إلى موطنه حنيناً عميقاً في قلوب المبدعين والجمهور معاً، انتظاراً ليوم تعود فيه الأضواء إلى الاستديوهات، وتدور فيه أجهزة البث من جديد، ليصدح الصوت من أم درمان كما كان دائماً: صوتاً للسودان كله.
إن ما طُرحته في المقال السابق ليس سوى بداية لنقاش أوسع حول قضية العودة الكامله الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون إلى مقرها الطبيعي في أم درمان وبالتالي عودة جميع العاملين و المبدعين المتعاونين ،هي قضية تمس وجدان العاملين والمتعاونيين بالمؤسسة كما تمس جمهورها العريض داخل السودان وخارجه. ولعل ما يؤكد أهمية هذا الموضوع أن عشرات الرسائل والاتصالات وردت إليي عقب نشر مقالاتنا السابقة، من مبدعين وإعلاميين وعاملين بالهيئة ومن جمهور الإذاعة والتلفزيون، جميعها تعكس قدراً كبيراً من الشوق والحرص على العودة الكاملة لهذه المؤسسة العريقة إلى دورها الطبيعي في قلب العاصمة الوطنيه (أم درمان ) . وسأعود بإذن الله تعالى في مقالات قادمة لإتاحة الفرصة لعرض هذه الردود والآراء التي وصلتني كاملة، لما تحمله من رؤى وتجارب ومقترحات جديرة بأن تُسمع وتُناقش، ولأنها تمثل في جوهرها صوتاً صادقاً لمنسوبي الهيئة وجمهورها، الذين يرون في عودة الإذاعة والتلفزيون إلى أم درمان خطوة أساسية في طريق استعادة عافية الإعلام الوطني ودوره في مرحلة إعادة البناء والإعمار.
في خضم ما أثاره مقالنا السابق حول قضية الحوافز وما ترتب عليها من حالة انقسام وسط صفوف العاملين بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، انهالت علينا عشرات الرسائل والاتصالات من منسوبي الهيئة بمختلف مواقعهم المهنية، ومن مبدعين وإعلاميين وجمهور مهتم بالشأن الإعلامي. وقد حملت تلك الرسائل قدراً كبيراً من القلق والعتب والألم، كما حملت في الوقت نفسه حرصاً صادقاً على وحدة الصف داخل هذه المؤسسة الوطنية العريقة التي ظلت لعقود طويلة نموذجاً للعمل الجماعي وروح الأسرة الواحدة.
ولأن الهدف من طرح هذه القضية لم يكن أبداً إثارة الخلاف أو تعميق الشروخ بين الزملاء، بل تسليط الضوء على مكامن الخلل أملاً في معالجتها بروح المسؤولية والعدالة، فإنني سأعود بإذن الله تعالى في مقال لاحق لإتاحة الفرصة لعرض جانب من تلك الردود والآراء التي وصلتني، لما تحمله من شهادات مهمة وتجارب مباشرة تعكس حقيقة ما يجري داخل المؤسسة. كما أن نشر هذه الآراء يأتي من باب إفساح المجال لصوت العاملين أنفسهم ليعبروا عن رؤيتهم للقضية، بما يسهم في فتح حوار موضوعي ومسؤول حول كيفية تجاوز حالة الانقسام التي أحدثتها قضية الحوافز، والعمل على استعادة روح التضامن التي عُرفت بها الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون عبر تاريخها الطويل.
فالمؤسسة التي استطاعت أن توحّد وجدان السودانيين لعقود، جديرة بأن تحافظ أولاً على وحدتها الداخلية، وأن تبقى بيتاً جامعاً لكل مبدعيها دون تمييز أو إحساس بالغبن أو الإقصاء.




