حين تتحول الشراكة إلى خبز على مائدة المواطن

بقلم: محفوظ عوض
في أوقات الأزمات، لا تُقاس قيمة المبادرات الحكومية بكثرة ما يقال عنها، وإنما بما تتركه من أثر مباشر في حياة المواطن. وعندما تتحول الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص من مجرد اتفاقات واجتماعات إلى سلعة متوفرة وسعر مناسب وخبز يصل إلى مائدة الأسرة، فإن الشراكة تكون قد خرجت من إطار الشعارات إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية.
من هذه الزاوية تأتي مبادرة مراكز البيع المخفض للجمهور بولاية الجزيرة، في وقت أصبحت فيه تكلفة المعيشة وارتفاع أسعار السلع الأساسية تحدياً يومياً للأسر، خاصة أصحاب الدخول المحدودة. فالمبادرة لا تنطلق فقط من فكرة إنشاء منافذ جديدة للبيع، وإنما من محاولة لإيجاد أدوات عملية تساعد على تخفيف الضغط عن المواطن وتوفير احتياجاته الأساسية بأسعار أكثر ملاءمة لقدراته الشرائية.
واللافت في هذه المبادرة أن حكومة ولاية الجزيرة، بقيادة والي الولاية الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير، لم تتعامل معها باعتبارها مجرد مراكز تفتح أبوابها ثم ينتهي دور الحكومة، وإنما سعت إلى تهيئة البيئة التي تمكنها من النجاح والاستمرار، من خلال جملة من التدابير والإجراءات التي تستهدف تخفيض التكلفة وتسهيل وصول السلع إلى المواطن.
ومن بين هذه الإجراءات إعفاء المخابز من الرسوم المحلية، وهي خطوة تبدو في ظاهرها مالية وإدارية، لكنها تحمل في جوهرها بعداً اجتماعياً واقتصادياً مهماً؛ لأن تخفيض الأعباء التي تتحملها المخابز يمكن أن يساعد في تقليل تكلفة التشغيل والإنتاج، وبالتالي دعم استقرار سلعة أساسية لا يكاد يخلو منها بيت.
فالمواطن قد لا يرى تفاصيل الرسوم والتكاليف التي تسبق وصول الرغيف إلى يده، لكنه يشعر بنتائجها بصورة مباشرة عندما ترتفع تكلفة إنتاج الخبز أو تستقر. ومن هنا فإن الإعفاءات التي أقرتها حكومة الولاية لا ينبغي النظر إليها بمعزل عن هدفها الأساسي، وهو المساهمة في تخفيف الأعباء عن المواطنين والمحافظة على استقرار السلع الأساسية.
وفي الاتجاه نفسه، عملت حكومة الولاية على إعداد المواقع المخصصة للأسواق ومراكز البيع المخفض، وتوفير الخدمات اللازمة لها دون تحميل التجار وأصحاب النشاط تكاليف إضافية، وهي خطوة مهمة في إنجاح المبادرة؛ لأن السوق لا يقوم على السلعة وحدها، وإنما يحتاج إلى مكان مناسب وخدمات وتنظيم وبيئة تساعد على استمرار النشاط.
وهنا تتضح صورة الشراكة بصورة أكثر عملية؛ فالحكومة تهيئ المكان والخدمات، وتعمل على تخفيف الرسوم والتكاليف، وتنظم وتتابع وتراقب، بينما يساهم القطاع الخاص في توفير السلع وتحريك النشاط التجاري. وفي نهاية هذه المعادلة يقف المواطن باعتباره المستفيد الأول من تكامل هذه الأدوار.
وفي هذا السياق يبرز دور وزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة بولاية الجزيرة، باعتبارها إحدى الجهات الرئيسية في ترجمة توجهات حكومة الولاية إلى إجراءات مالية وتنظيمية قابلة للتنفيذ. فالإعفاء من الرسوم، وتوفير الخدمات بالمواقع، وتسهيل قيام الأسواق المخفضة، كلها إجراءات لها تأثير مباشر في تكلفة النشاط التجاري، وبالتالي في قدرة التجار والمنتجين على توفير السلع بأسعار أكثر ملاءمة.
وهنا تتحول السياسة المالية من مجرد أرقام وإيرادات ومصروفات إلى أداة يمكن أن تسهم في تخفيف أعباء المعيشة ودعم الاستقرار الاجتماعي، خصوصاً في الظروف الاقتصادية الاستثنائية. وفي الوقت نفسه، تظل مسؤولية وزارة المالية وحكومة الولاية قائمة في تحقيق التوازن بين تعظيم الموارد من جهة، وتخفيف الأعباء عن المواطن والمنتج والتاجر من جهة أخرى، بحيث تكون الإعفاءات والتسهيلات موجهة إلى أهداف واضحة وقابلة للقياس.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم اهتمام والي الجزيرة بهذه المبادرة باعتبارها جزءاً من توجه أوسع نحو ربط العمل الحكومي باحتياجات المواطن اليومية. فتوفير الخبز لا يرتبط بالمخابز وحدها، كما أن استقرار أسعار السلع لا يتحقق بمجرد إصدار قرارات رقابية، وإنما يحتاج إلى معالجة منظومة كاملة تبدأ من تكلفة الإنتاج، وتمر بالرسوم والخدمات والإمداد والنقل والتوزيع، وتنتهي عند المستهلك.
وتزداد أهمية المبادرة في ولاية الجزيرة تحديداً، بالنظر إلى طبيعتها الزراعية والإنتاجية. فالولاية لا ينبغي أن تكون مجرد سوق يستهلك السلع القادمة من الخارج أو من الولايات الأخرى، وإنما يمكن أن تصبح مراكز البيع المخفض فيها جسراً يصل المنتج المحلي مباشرة إلى المستهلك، ويقلل من حلقات الوساطة التي ترفع تكلفة السلعة قبل وصولها إلى المواطن.
فحين يجد المزارع سوقاً مستقرة لمنتجه، ويجد المواطن سلعة جيدة بسعر مناسب، يستفيد الطرفان وتتحرك عجلة الاقتصاد المحلي. ومن هنا يمكن أن تتطور مراكز البيع المخفض مستقبلاً لتصبح جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة تربط الإنتاج بالتسويق والاستهلاك، وتدعم المنتج المحلي في الوقت الذي تخفف فيه أعباء المعيشة عن المواطن.
لكن نجاح هذه المبادرة سيظل مرتبطاً باستمرار المتابعة. فافتتاح مركز للبيع المخفض هو بداية العمل وليس نهايته، والاختبار الحقيقي يبدأ عندما يدخل المواطن المركز ويبحث عن احتياجاته: هل يجد السلعة؟ هل السعر مخفض فعلاً؟ هل الجودة مناسبة؟ وهل يستمر الإمداد بصورة منتظمة؟
هذه الأسئلة ينبغي أن تظل حاضرة أمام حكومة الولاية ووزارة المالية والجهات المختصة والقطاع الخاص؛ لأن المواطن لا يقيس المبادرة بعدد المراكز التي افتتحت، وإنما بما وفرته له فعلياً من تخفيض في تكلفة معيشته.
ومن هنا تأتي أهمية الرقابة على الأسعار والأوزان والجودة واستمرارية الإمداد إلى جانب الإعلان الواضح عن الأسعار والسلع المتوفرة حتى تظل المبادرة محافظة على هدفها ولا تتحول إلى مجرد واجهة تجارية تحمل اسم البيع المخفض دون أن يشعر المواطن بفارق حقيقي.
ولا ينبغي في المقابل النظر إلى مراكز البيع المخفض باعتبارها حلاً وحيداً لمشكلة ارتفاع الأسعار؛ فاستقرار الأسعار على المدى الطويل يحتاج إلى زيادة الإنتاج، وتحسين النقل والتخزين، وتطوير سلاسل الإمداد، وتشجيع الاستثمار، ودعم الإنتاج المحلي، وتقليل التكلفة التي تتحملها السلعة قبل وصولها إلى المستهلك. لكن ذلك لا يقلل من قيمة المبادرة؛ فالمواطن يحتاج إلى حلول طويلة المدى، لكنه يحتاج أيضاً إلى إجراءات عاجلة تخفف عنه ضغط الحاضر.
ومن هنا فإن تجربة مراكز البيع المخفض بولاية الجزيرة تكتسب أهميتها من كونها تجمع بين أكثر من طرف في معادلة واحدة: حكومة الولاية التي توفر التنظيم والتهيئة والإعفاءات والخدمات، ووزارة المالية التي تضطلع بجانب أساسي من الإجراءات المالية، والقطاع الخاص الذي يوفر السلع ويحرك النشاط التجاري، والمواطن الذي يمثل الغاية والاختبار النهائي لكل هذه الجهود.
وفي المحصلة، فإن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لن تكون في عدد المراكز التي تفتتح، ولا في حجم التغطية الإعلامية المصاحبة لها، وإنما في قدرتها على أن تجعل المواطن يشعر بأن هناك فرقاً حقيقياً في تكلفة احتياجاته اليومية.
فعندما تعفي حكومة الولاية المخابز من الرسوم المحلية، وتعمل على تهيئة مواقع الأسواق المخفضة وتوفير خدماتها، وتفتح المجال أمام القطاع الخاص للمشاركة في توفير السلع، ثم تتابع وتراقب النتائج، فإنها لا تقوم بمجرد إجراء إداري، وإنما تحاول بناء منظومة تجعل الشراكة وسيلة مباشرة لخدمة المواطن.
وعندما تتحول قرارات الحكومة وإجراءاتها المالية والتنظيمية إلى خبز متوفر، وسلعة جيدة، وسعر يستطيع المواطن تحمله، تكون الشراكة قد تجاوزت حدود المكاتب وقاعات الاجتماعات، وأصبحت شيئاً حقيقياً على مائدة الأسرة.
وهنا يكمن المعنى الأعمق للمبادرة: أن تكون التنمية والخدمة الحكومية محسوسة في حياة المواطن، وأن يتحول القرار من ورق إلى أثر، ومن الشراكة إلى خبز على مائدة المواطن








