الجزيرة.. حين تتحول مواجهة الغلاء إلى معركة إدارة

بقلم: مي الامين
في ولاية الجزيرة، لا تبدو مواجهة ارتفاع الأسعار مجرد معركة مع أرقام تتغير على واجهات المحال، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الإدارة على حماية المواطن، والحفاظ على توازن السوق، وتحويل الأزمات إلى فرص للعمل والتنظيم.
ومن هذا المنطلق، تأتي الخطوة التي شرعت فيها حكومة الولاية بقيادة والى الجزيرة لفتح مراكز للبيع المخفض في جميع المحليات، بوصفها واحدة من الأدوات العملية لكبح موجة الغلاء، وتوفير السلع الأساسية للمواطنين بأسعار التكلفة، بدلاً من الاكتفاء بتشخيص المشكلة أو انتظار انحسارها.
واللافت أن هذا التحرك يأتي ضمن مسار من الإجراءات التي ارتبطت خلال الفترة الماضية بعمل والي الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير، في ملفات متعددة تمس حياة المواطن بصورة مباشرة؛ من دعم استقرار الخدمات، إلى تحريك ملفات الإعمار، وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الولاية والجهات الاتحادية والشركاء، وصولاً إلى وضع قضية معاش الناس في مقدمة أولويات الإدارة.
واليوم، تنتقل حكومة الجزيرة خطوة أخرى إلى الأمام: السوق نفسه يصبح ساحة للعمل الحكومي المباشر.
فافتتاح مركز للبيع المخفض بنادي الجزيرة بود مدني، والتوجه لتعميم التجربة على المحليات، يمثلان محاولة لإيجاد منافذ أكثر عدالة بين المنتج والتاجر والمستهلك، مع إشراك التجار والمؤسسة التعاونية العسكرية والغرف التجارية والصناعية في المعالجة.
وتبرز أهمية الخطوة في توقيتها؛ فالغلاء لا ينتظر اكتمال الخطط، والمواطن لا يستطيع تأجيل احتياجات أسرته إلى أن تستقر الظروف الاقتصادية.
والأكثر دلالة أن الاجتماع الخاص بمعالجة ارتفاع الأسعار لم يقف عند حدود الدعوة إلى خفض الأسعار، وإنما ربط المعالجة بآليات تنفيذية؛ من تحديد الأسعار من الشركات للتجار، إلى تدخل ديوان الزكاة في خفض أسعار الذرة، ومشاركة تجار الجملة في منافذ البيع المخفض، إلى جانب التأكيد على استقرار أسعار الخبز وتوفر الدقيق.
وفي مؤشر على أثر الإجراءات، أشارت حكومة الولاية إلى انخفاض سعر جوال السكر بأكثر من 70 ألف جنيه مقارنة بسعر اليوم السابق، وهو رقم يعكس أن التدخل المنظم في سلسلة الإمداد يمكن أن يصنع فارقاً محسوساً في السوق.
لكن نجاح التجربة لن يقاس بافتتاح مركز واحد، ولا بتراجع سعر سلعة ليوم أو يومين؛ وإنما بقدرتها على الاستمرار، والوصول إلى المحليات، وضمان وصول السلع إلى المواطن بالسعر المعلن، ومراقبة الأسواق بصورة تمنع عودة المضاربات.
وهنا تحديداً تكمن المسؤولية الأكبر أمام حكومة الولاية وواليها: أن تتحول مراكز البيع المخفض من مبادرة ظرفية إلى منظومة مستدامة لحماية المستهلك.
فالجزيرة التي استطاعت أن تفتح ملفات الإعمار والخدمات وتعيد تحريك عجلة الحياة بعد ظروف قاسية، مطالبة اليوم بأن تجعل من استقرار الأسعار جزءاً أصيلاً من معركة التعافي.
إن إنجاز الإدارة لا يقاس فقط بعدد المشروعات التي تفتتح، وإنما بمدى انعكاسها على حياة الناس؛ وفي الاقتصاد، قد يكون خفض سعر جوال السكر عشرات الآلاف، أو تثبيت سعر الخبز، أو توفير الذرة بسعر مناسب، أكثر تأثيراً في حياة الأسرة من عشرات البيانات والخطط.
المواطن يريد أن يرى أثر الدولة في السوق، لا أن يسمع عنها فقط.
ومن هنا فإن خطوة والى الجزيرة حيال كبح غلاء الاسعار تستحق أن تُبنى عليها منظومة متكاملة: مراكز بيع مخفض في كل محلية، رقابة على الأسعار، شراكة حقيقية مع القطاع التجاري، دعم للسلع الأساسية، وتدخل سريع كلما ظهرت مؤشرات اختلال.
تلك هي المعادلة التي يمكن أن تجعل من مواجهة الغلاء إنجازاً إدارياً مستداماً، لا استجابة مؤقتة لأزمة عابرة.
، فإن معركة الأسعار ليست معركة الحكومة وحدها؛ إنها معركة مجتمع كامل. لكن حين تتقدم الدولة لتنظيم السوق، ويشارك التاجر، ويتحمل المنتج مسؤوليته، وتساند المؤسسات الاجتماعية والتعاونية، يكون المواطن هو المستفيد الأول.
الجزيرة اليوم لا تبحث فقط عن سعر أقل.. بل عن سوق أكثر انضباطاً، وإدارة أكثر حضوراً، ومواطن يشعر بأن الدولة تقف إلى جانبه في أصعب الظروف.










