راي

تقرير تصفية الخدمة العامة.. هل تعالج الدولة الأزمة بهدم مؤسساتها؟

 

في الوقت الذي ينتظر فيه السودانيون مشروعاً وطنياً لإعادة بناء الدولة بعد الحرب، تتسرب إلى الرأي العام معلومات مقلقة عن تقرير قيل إنه رُفع إلى مجلس الوزراء يتضمن توصيات بإنهاء خدمة عشرات الآلاف من العاملين في مؤسسات الدولة الاتحادية والهيئات والشركات العامة، تحت لافتة “إصلاح الخدمة المدنية”.

وإذا صحت المعلومات المتداولة، فإننا لا نكون أمام مشروع إصلاح إداري، بل أمام أخطر عملية تقليص للخدمة العامة في تاريخ السودان الحديث، بما يفرض على الدولة والمجتمع والنخب السياسية والقانونية والاقتصادية الوقوف عندها بقدر كبير من المسؤولية والشفافية.

إن أول ما يلفت النظر في هذا التقرير هو التناقض بين عنوانه ومضمونه. فالإصلاح الإداري في كل التجارب العالمية يقوم على التطوير والتدريب وإعادة الهيكلة ورفع الكفاءة وتحسين الأداء وإدخال التكنولوجيا وتقييم الوظائف، بينما ينصرف التقرير ـ بحسب ما رشح من معلومات ـ إلى تقليص أعداد العاملين بصورة واسعة دون أن يقدم رؤية متكاملة لكيفية تطوير المؤسسات أو المحافظة على الخبرات النوعية والكفاءات النادرة.

فالإصلاح ليس مرادفاً للفصل الجماعي، كما أن تقليص الإنفاق ليس بالضرورة مرادفاً للاستغناء عن البشر.

والسؤال الجوهري الذي لم يجب عنه التقرير هو: لماذا اختيرت نسبة 60% تحديداً؟

هل استندت إلى دراسة علمية للعبء الوظيفي؟

هل اعتمدت على توصيف وظيفي حديث؟

هل أجرت تقييماً موضوعياً للاحتياجات الفعلية لكل مؤسسة؟

أم أنها نسبة تقديرية وضعت لتحقيق أهداف مالية فقط؟

إن أي مشروع لإعادة هيكلة الخدمة العامة يفقد مشروعيته منذ لحظته الأولى إذا عجز عن تبرير الأسس التي بُنيت عليها قراراته.

والأمر الأكثر إثارة للقلق أن التقرير ـ وفق ما تم تداوله ـ يتحدث عن إنهاء خدمة أكثر من ثلاثة وستين ألف عامل وموظف، في وقت تعيش فيه البلاد واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية في تاريخها المعاصر.

فهل درست اللجنة الآثار الاجتماعية لهذه القرارات؟

كم أسرة ستفقد مصدر دخلها الوحيد؟

كم طفلاً سيتأثر تعليمه؟

كم مريضاً سيجد نفسه عاجزاً عن العلاج؟

وكم من الخبرات الوطنية ستغادر الخدمة العامة نهائياً؟

إن الدولة لا تتعامل هنا مع أرقام جامدة في جداول إحصائية، وإنما مع بشر وأسر ومستقبل مجتمع بأكمله.

ومن المفارقات اللافتة أن الحديث عن الاستغناء عن عشرات الآلاف من العاملين يأتي في وقت تتواصل فيه عمليات التعيين والمعاينات وفتح الوظائف في بعض المؤسسات الحكومية.

وهنا يبرز سؤال مشروع:

إذا كانت الدولة تعاني فعلاً من تضخم وظيفي يستدعي التخلص من عشرات الآلاف من العاملين، فلماذا تستمر التعيينات؟

أما إذا كانت هناك حاجة حقيقية للوظائف الجديدة، فكيف يصبح الاستغناء عن هذا العدد الضخم من العاملين إجراءً منطقياً؟

إن هذا التناقض يضعف الثقة في مبررات التقرير ويثير مخاوف مشروعة من أن تتحول عملية “الإصلاح” إلى أداة لإعادة تشكيل الخدمة العامة وفق اعتبارات غير مهنية.

لقد تعلم السودانيون من تجارب الماضي دروساً قاسية.

فسياسات الفصل للصالح العام تركت جراحاً عميقة في المجتمع السوداني، كما أثارت قرارات إزالة التمكين بدورها جدلاً واسعاً حول معايير العدالة والإجراءات القانونية.

ولهذا فإن أي مشروع جديد يمس حقوق العاملين يجب أن يتجاوز أخطاء الماضي لا أن يعيد إنتاجها بأسماء مختلفة.

فالعدالة لا تتحقق بتغيير العناوين، وإنما بتحقيق سيادة القانون وضمان الحقوق وإتاحة فرص الطعن والاستئناف والمراجعة القضائية.

ومن أكثر ما يثير القلق غياب الحديث الواضح عن آليات الاستئناف والتظلم.

فكيف يمكن أن يصبح مصير آلاف العاملين رهين قرار إداري نهائي لا يخضع للمراجعة؟

إن حق التقاضي وحق التظلم ليسا منحة من أي لجنة أو جهة تنفيذية، وإنما من المبادئ الأساسية للعدالة الإدارية في الدول الحديثة.

كما أن التقرير يبدو وكأنه ينظر إلى العاملين باعتبارهم عبئاً مالياً فقط، بينما تتجاهل هذه النظرة حقيقة أساسية وهي أن رأس المال البشري هو أثمن ما تملكه الدولة.

فالخبرات المتراكمة في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والإعلام والضرائب والمالية والهندسة والإدارة ليست أرقاماً يمكن حذفها بضغطة قلم.

إن بناء هذه الخبرات استغرق عقوداً طويلة وكلف الدولة أموالاً طائلة في التدريب والتأهيل والتراكم المهني.

وفي قطاع الإعلام تحديداً تبدو خطورة هذه السياسات أكثر وضوحاً.

فالحرب فرضت على المؤسسات الإعلامية أوضاعاً استثنائية جعلتها تعمل بعدد محدود من العاملين، لكن استمرار هذا الوضع لا يعني أن بقية الكوادر أصبحت غير ضرورية.

إن نجاح المؤسسة في النجاة خلال ظروف الطوارئ لا يبرر تحويل حالة الطوارئ إلى فلسفة دائمة للإدارة.

فالإعلام الوطني لا يُبنى بالحد الأدنى من العاملين، وإنما بالاستفادة من كل الخبرات والكفاءات القادرة على الإسهام في معركة الوعي وإعادة بناء الدولة بعد الحرب.

ثم إن هناك سؤالاً أخلاقياً لا يجوز تجاهله:

كيف تطلب الدولة من مواطنيها الصمود والتضحية وتحمل آثار الحرب، ثم يكون ردها على آلاف العاملين هو إنهاء خدماتهم في أكثر اللحظات صعوبة في حياتهم؟

إن إعادة إعمار السودان لا تبدأ بإغلاق أبواب الرزق أمام الناس، وإنما تبدأ بإعادة تشغيل الطاقات الوطنية وتوظيف الخبرات وتحريك عجلة الإنتاج والخدمات.

لقد كان الأجدر بالحكومة ـ إن كانت تبحث فعلاً عن إصلاح الخدمة المدنية ـ أن تتجه نحو مكافحة الترهل الإداري والفساد والازدواج الوظيفي، وأن تطور نظم الإدارة الإلكترونية، وأن تراجع الهياكل التنظيمية، وأن تعيد توزيع القوى العاملة وفق الاحتياجات الفعلية، بدلاً من اللجوء إلى وصفة سهلة عنوانها التخلص من الموظفين.

إن الدول الخارجة من الحروب تحتاج إلى توسيع فرص العمل لا إلى تقليصها، وتحتاج إلى استيعاب الخبرات لا إلى طردها، وتحتاج إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي لا إلى إنتاج موجات جديدة من القلق والإحباط.

ولهذا فإن أي قرار يتعلق بمصير عشرات الآلاف من العاملين يجب ألا يُتخذ خلف الأبواب المغلقة، بل ينبغي أن يُعرض بشفافية كاملة على الرأي العام، وأن يخضع لحوار وطني واسع تشارك فيه النقابات والخبراء والقانونيون والاقتصاديون ومنظمات المجتمع المدني.

فالقضية ليست قضية موظفين فقط، بل قضية دولة ومستقبل ومجتمع.

وإذا كانت الحرب قد دمرت كثيراً من البنى التحتية، فإن السودان لا يحتمل اليوم أن يدمر بنفسه ما تبقى من رأس ماله البشري.

إن إصلاح الخدمة العامة ضرورة وطنية لا خلاف عليها، لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان لا الاستغناء عنه، وباستثمار الخبرات لا إهدارها، وبترسيخ العدالة لا تعميق المخاوف.

ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون الإجابة عنه:

هل تسعى الدولة إلى إصلاح الخدمة العامة فعلاً، أم أننا أمام أكبر عملية تصفية وظيفية في تاريخ السودان الحديث تحت مسمى الإصلاح؟

وللحديث بقية بإذن الله تعالى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى