راي

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد حين تتحول الحوافز إلى تمييز: أزمة العدالة الوظيفية في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بالسودان

دكتور مزمل سليمان حمد

 

في الدول التي تسعى إلى بناء مؤسسات راسخة وقادرة على أداء دورها الوطني، تُعد العدالة الوظيفية أحد أهم ركائز الاستقرار الإداري. فالموظف الذي يشعر بأن حقوقه مصانة وأن فرصه متساوية مع زملائه يكون أكثر قدرة على العطاء وأكثر التزاماً بمسؤولياته. لكن حين تتسلل مظاهر التمييز غير المبرر إلى داخل المؤسسات، فإن أول ما يتعرض للاهتزاز هو الثقة بين العاملين وإداراتهم، وهي الثقة التي تشكل العمود الفقري لأي مؤسسة ناجحة.

ما جرى داخل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون السودانية في الآونة الأخيرة أثار كثيراً من التساؤلات والقلق بين صفوف العاملين. فقد برزت ظاهرة تفضيل مجموعة محدودة من الموظفين بمنحهم حوافز وامتيازات خاصة، بينما بقي بقية زملائهم خارج هذه الدائرة، دون أن تصدر توضيحات كافية تشرح المعايير التي تم على أساسها اختيار هذه المجموعة.

المشكلة هنا لا تكمن في مبدأ الحوافز نفسه، فالحوافز أداة طبيعية تستخدمها المؤسسات لتحفيز الأداء وتشجيع الكفاءة. غير أن هذه الحوافز تفقد معناها عندما تتحول إلى أداة للتمييز غير الواضح، أو حين تُمنح دون أسس معلنة يفهمها الجميع ويقبلون بها. فالعدالة الوظيفية لا تعني المساواة المطلقة، لكنها تعني وضوح المعايير وتكافؤ الفرص.

العاملون في هذه الهيئة ليسوا موظفين عاديين في جهاز إداري تقليدي، بل يمثلون جزءاً من مؤسسة إعلامية وطنية ذات دور حساس في نقل المعلومة وصناعة الرأي العام. ولهذا فإن أي خلل في التوازن الداخلي للمؤسسة لا يظل محصوراً داخل جدرانها، بل ينعكس على أدائها العام وعلى قدرتها في أداء رسالتها المهنية.

لقد مرّت المؤسسات السودانية خلال السنوات الأخيرة بظروف استثنائية فرضتها الأزمات السياسية والاقتصادية، وما صاحبها من انتقال مؤسسات الدولة من مدينة إلى أخرى واضطراب إداري ومالي كبير. وفي خضم تلك الظروف ظل كثير من العاملين في الهيئة يؤدون مهامهم بصبر وإخلاص رغم قلة الإمكانات وتعقيد الأوضاع. ولذلك فإن ظهور حالة من التمييز بين العاملين اليوم يطرح تساؤلاً مشروعاً: لماذا يُكافأ البعض ويُستبعد آخرون دون توضيح؟

إن الغموض في مثل هذه القرارات يفتح الباب واسعاً أمام الشكوك والتفسيرات المتعددة. فعندما لا تكون هناك معايير معلنة للكفاءة أو لطبيعة المهام أو لخصوصية العمل، يصبح من السهل أن يعتقد العاملون أن الاختيار تم بناءً على علاقات شخصية أو توصيات أو اعتبارات غير مهنية. وربما لا يكون ذلك صحيحاً في الواقع، لكن غياب الشفافية كفيل بصناعة هذا الانطباع.

ومن هنا تتجه الأنظار بطبيعة الحال إلى الجهة التي تقف خلف هذه القرارات، وهي مجلس الوزراء السوداني أو الجهات التنفيذية المرتبطة به. فالمؤسسات الحكومية لا تتخذ قرارات بهذا الحجم بمعزل عن الإطار العام للسياسات الحكومية، كما أن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي توضيح الأسس التي بُنيت عليها مثل هذه القرارات.

إن السكوت عن هذا الأمر لا يخدم أحداً، بل قد يؤدي إلى تعميق الشعور بالغبن داخل المؤسسة. فالعامل الذي يرى زميله يحصل على امتيازات كبيرة دون أن يعرف السبب، سيشعر بالظلم حتى وإن لم يكن هناك ظلم فعلي في الأصل. لذلك فإن الشفافية هنا ليست مجرد خيار إداري، بل ضرورة للحفاظ على وحدة المؤسسة واستقرارها.

والمشكلة الأعمق أن مثل هذه الظواهر لا تتوقف عند حدود مؤسسة بعينها، بل تعكس في كثير من الأحيان نمطاً أوسع من الخلل الإداري الذي تعاني منه بعض مؤسسات الدولة. فحين تغيب المعايير المؤسسية وتحل محلها الاجتهادات الفردية أو القرارات غير المعلنة، يصبح الباب مفتوحاً أمام انتشار المحسوبية وتآكل مبدأ تكافؤ الفرص.

إن إصلاح هذا الوضع لا يحتاج إلى إجراءات معقدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة واضحة في ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة داخل المؤسسات الحكومية. وأول هذه الخطوات هو إعلان المعايير التي يتم على أساسها منح الحوافز أو الامتيازات، بحيث تكون مرتبطة بالإنتاجية والكفاءة وطبيعة المسؤوليات. كما أن من المهم مراجعة القرارات التي تثير الجدل داخل المؤسسات، ليس من باب التراجع أو الاعتراف بالخطأ، بل من باب تعزيز الثقة بين الإدارة والعاملين. فالمؤسسة القوية هي التي تملك الشجاعة لمراجعة قراراتها حين تثير انقساماً داخل صفوفها.

ربما يقول قائل أعطيت هذه المبالغ اؤليك الاذاعيين الذين عملوا بالإذاعة السودانيه من عطبرة الاذاعيين العاملين بتلفزيون السودان من بورتسوران..!!!؟؟ السؤال الأساسي من هو الذي اختار هؤلاء!!؟؟ ولنحو ثلاثه سنوات( سنين الحرب) وهل يعقل أن هؤلاء يمثلون الألف موظف ويذيد هم عدد العاملين بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بالسودان!!!؟؟ ؟ هل يعقل هذا ياسيادة رئيس مجلس السيادة والوزراء ووزير الثقافة والاعلام والسياحه والمدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بالسودان هل يعقل هذا!! ؟؟؟

وفي نهاية المطاف يبقى السؤال الذي يتردد في أروقة الهيئة وبين العاملين فيها سؤالاً بسيطاً في صياغته لكنه عميق في دلالته: من الذي اختار هذه المجموعة التي تتمتع اليوم بامتيازات خاصة؟ وعلى أي أساس تم ذلك الاختيار؟ ولماذا لم تُعلن هذه المعايير بوضوح منذ البداية؟ إن الإجابة الصريحة عن هذه الأسئلة ليست مجرد استجابة لاحتجاجات العاملين، بل خطوة ضرورية لحماية مؤسسة إعلامية وطنية يفترض أن تقوم على المهنية والعدالة والشفافية. فالعدالة داخل المؤسسات ليست شعاراً يُرفع، بل ممارسة يومية يشعر بها الجميع. وعندما يشعر العاملون بأن الميزان مختل، فإن الخلل لا يبقى في القرار وحده، بل يمتد إلى روح المؤسسة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى