راي

مأساة الإذاعة والتلفزيون بين العودة والحقوق والتهديد

 

لم تعد معاناة العاملين بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون مجرد أزمة إدارية عابرة يمكن تجاوزها ببيان أو توجيه، وإنما تحولت إلى مأساة إنسانية ومؤسسية متكاملة، تتداخل فيها آثار الحرب مع اضطراب الإدارة، وتتعقد فيها قضايا العاملين بين العودة إلى أم درمان، وانتظار الحقوق، ومصير المعاشيين، والخوف من المستقبل، حتى أصبح السؤال الأكثر إيلاماً: كيف يمكن لمؤسسة وطنية عريقة أن تنتج رسالة إعلامية تخدم الدولة والمجتمع، بينما يعيش العاملون فيها كل هذا القلق؟

لقد كشفت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023م هشاشة أوضاع الهيئة، بعدما تعرضت مباني الهيئة خاصة الإذاعة السودانية ومنشآتهما ومعداتهما وأرشيفهما لأضرار جسيمة، واضطر العاملون إلى النزوح والتشتت، وانتقلت الإذاعة إلى عطبرة والتلفزيون إلى بورتسودان. لكن المأساة لم تتوقف عند تدمير المباني والاستديوهات، بل امتدت إلى الإنسان الذي يمثل جوهر المؤسسة الإعلامية وروحها الحقيقية.

والأكثر إثارة للقلق أن عدد الذين ظلوا يعملون في مواقع الانتقال لا يمثل إلا نسبة محدودة للغاية من القوة العاملة بالهيئة التي تفوق الالف موظف وعامل. فالعاملون، لم يتجاوز عدد من انتقلوا للعمل بالإذاعة في عطبرة سبعة عشر شخصاً، بينما بلغ عدد العاملين بالتلفزيون في بورتسودان نحو ثلاثين.
وحتى الذين عادوا لام درمان ظلوا محتكرين للعمل بالساعات المحدودة للبث الاذاعي وإنما العمل خلق لهم… أما التلفزيون فالمفارقه في حرمان كفاءات من المصورين والمبدعين والمحررين والمنتجين عموما للبرامج ويتحدثون كان المؤسسة هي ملك لهم.. وهنا تبرز مفارقة مؤلمة: مؤسسة تضم تاريخاً طويلاً وكوادر وخبرات تراكمت على مدى عقود، تختزل قدرتها التشغيلية في أعداد محدودة، بينما يعيش غالبية العاملين خارج دائرة المشاركة الفعلية في العمل.!!!؟؟؟!! /!!!!

ومع اقتراب عودة مؤسسات الدولة إلى أم درمان، أصبح العاملون أمام سؤال مصيري: هل العودة ستكون عودة مؤسسة فقط، أم عودة للإنسان أيضاً؟ فإعادة المباني والمكاتب والاستديوهات لا تكفي إذا ظل العاملون مهمشين، وإذا لم توضع معالجة واضحة لأوضاعهم الوظيفية والمالية، وإذا تحولت العودة إلى مصدر جديد للقلق بدلاً من أن تكون بداية لاستعادة الحياة الطبيعية.

ومن أكثر الملفات إيلاماً قضية المعاشيين. هؤلاء ليسوا أرقاماً في كشوفات مالية، بل أجيال صنعت الإذاعة والتلفزيون، ووقفت خلف الميكروفونات والكاميرات وغرف الأخبار والاستديوهات والإدارات الفنية والهندسية والإدارية، وأسهمت في بناء الذاكرة الإعلامية السودانية. ومن غير المقبول أخلاقياً ولا مؤسسياً أن يجد من أفنى عمره في خدمة الدولة نفسه مضطراً للمطالبة بحقه وكأنه يطلب منحة أو تفضلاً.

إن قضية المعاشيين يجب أن تكون في مقدمة أولويات الدولة والهيئة، وأن تتم معالجتها بعيداً عن التعقيدات الإدارية والجدل السياسي، لأن المعاش حق مستحق وليس منّة من أحد.

وتكشف الرسائل المتبادلة بين بعض العاملين والإدارة المالية عن جانب آخر من الأزمة؛ فقد أوضحت الإدارة أن التحويل تم من بنك السودان، وأن إشعار التحويل أُرسل إلى بنك أم درمان، وأن دور الحسابات انتهى عند هذه المرحلة، مع استمرار المتابعة مع البنك لمعرفة أسباب التأخير. ومن الطبيعي أن يطالب العاملون بحقوقهم وأن يسألوا عن أموالهم، كما أن من حق الإدارة أن توضح الإجراءات التي تمت ومسؤولية كل جهة.

لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الخلاف حول الحقوق إلى اتهامات متبادلة وتجريح وتهديد بالشكاوى. فالإشارة إلى إمكانية رفع شكاوى للإدارة ثم إلى النيابة المعلوماتية، في سياق نقاش داخلي حول مستحقات العاملين، ينبغي ألا تصبح وسيلة لإسكات الأصوات أو تخويف الموظفين من المطالبة بحقوقهم. وفي المقابل، فإن المطالبة بالحقوق يجب أن تتم بموضوعية واحترام، بعيداً عن الإساءة الشخصية والتشهير والاتهامات التي لا تستند إلى أدلة.

الأشد خطورة هو أن تتحول مؤسسة يفترض أن تكون نموذجاً في إدارة الكلمة والمسؤولية المهنية إلى ساحة صراع بين العاملين والإدارة. فالإذاعة والتلفزيون مؤسسة قومية، وليست ملكاً لمدير أو إدارة أو مجموعة موظفين، والحقوق المالية ليست قضية شخصية حتى يتم التعامل معها بمنطق الخصومة.

أما العبارات المتداولة من قبيل «قاتل الله من أخذ أموال الضمان الاجتماعي ودفعها للرئيس الأمريكي ترامب»، ثم الرد عليها بعبارات تتحدث عن أن من دفع أموالاً لترامب «ترك في الخزينة عشرة أضعافها، ملياري دولار»، فهي تكشف حجم الاحتقان الذي وصل إليه العاملون. لكنها في الوقت نفسه تكشف خطورة غياب المعلومات الرسمية الشفافة؛ فعندما تغيب المعلومة الدقيقة، تنتشر الروايات والتفسيرات والاتهامات، ويصبح العامل البسيط أسيراً لما يسمعه في مجموعات التواصل.

القضايا المالية العامة لا تعالج بالرسائل الغاضبة ولا بالشتائم ولا بالتلميحات. المطلوب كشف الحقيقة بالأرقام والوثائق: كم تبلغ أموال الضمان الاجتماعي؟ أين توجد؟ ما الذي تم تحويله؟ إلى أي جهة؟ ومن المسؤول عن إدارتها؟ وما علاقة أي مدفوعات خارجية بهذه الأموال إن كانت هناك علاقة أصلاً؟ هذه أسئلة مشروعة لا ينبغي أن يخشى أحد من طرحها، والإجابة عنها مسؤولية الجهات المختصة لا مجموعات التواصل الاجتماعي.

إن ما يحدث داخل الهيئة اليوم يجب أن يكون جرس إنذار للحكومة ووزارة الثقافة والإعلام وإدارة الهيئة وكل الجهات ذات الصلة. فالهيئة لا تحتاج فقط إلى إعادة تشغيل أجهزة الإرسال أو ترميم الاستديوهات، وإنما تحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين العاملين والإدارة، وإعداد كشف واضح بالحقوق والاستحقاقات، وتسوية أوضاع المعاشيين، وتحديد مصير العاملين الذين لم يعودوا إلى مواقع العمل، ووضع خطة معلنة للعودة إلى أم درمان، تضمن عدم إقصاء الخبرات والكفاءات.

كما أن العدالة تقتضي أن تكون العودة إلى العمل وفق معايير واضحة ومعلنة، لا وفق القرب أو العلاقات أو الولاءات. وينبغي تشكيل لجنة مهنية محايدة لحصر العاملين والمعاشيين ومستحقاتهم، ومراجعة أوضاع من فقدوا وظائفهم أو مصادر دخلهم بسبب الحرب، ووضع جدول زمني ملزم للمعالجة.

وفي خضم هذه المعاناة المتراكمة، تزداد المفارقة إيلاماً عندما يطالع العاملون أخباراً تفيد بأن مدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون غادر إلى الصين للمشاركة في لقاء هناك، بينما لا تزال قضايا العاملين وحقوقهم وأوضاع المعاشيين والعودة إلى أم درمان تنتظر حلولاً عاجلة، وكأن هذه الملفات يمكن أن تنتظر إلى أجل غير مسمى. وفي المقابل، ينشغل وزير الثقافة والإعلام بملف البحث عن اشتراك جديد في قمر «نايل سات»، وهو أمر قد تكون له أهميته الفنية والإعلامية، لكنه لا ينبغي أن يتقدم على معالجة أزمة الإنسان داخل المؤسسة.

السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، إن ما يحدث داخل الهيئة لم يعد مجرد تفاصيل إدارية يمكن تأجيلها؛ إنها معاناة حقيقية يعيشها العاملون والمعاشيون، وتحتاج إلى تدخل حاسم يعيد ترتيب الأولويات ويضع حقوق الناس وكرامتهم واستقرار المؤسسة في مقدمة الاهتمام. وقد يغضب هذا الحديث الوزير أو المدير، وربما يراه البعض قاسياً، لكنه ليس موجهاً ضد أشخاص، وإنما هو صرخة من داخل مؤسسة وطنية تستحق إدارة أكثر حضوراً، وشفافية أكبر، واهتماماً يتناسب مع حجم ما تواجهه. فالمسؤولية تقتضي أن نواجه الخلل بالحقيقة، وأن نوقف هذا العبث قبل أن يتحول إلى أزمة أعمق، لأن إنقاذ الهيئة يبدأ بإنقاذ العاملين فيها.

لقد دفعت الحرب ثمناً باهظاً من دماء السودانيين وممتلكاتهم ومؤسساتهم، ولا يجوز أن تكون النتيجة أيضاً ضياع الحقوق وتبديد الخبرات. فالذين حافظوا على استمرار الإذاعة والتلفزيون في أصعب الظروف يستحقون التقدير، والذين اضطروا إلى الابتعاد عن مواقعهم بسبب الحرب لا ينبغي أن يتحولوا إلى منسيين، والمعاشيون الذين حملوا رسالة المؤسسة لعشرات السنين يستحقون أن تُصان كرامتهم قبل أي شيء.

إن مأساة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ليست مأساة موظفين فقط، بل مأساة مؤسسة وطنية تمثل ذاكرة السودان وصوته وصورته. وإذا كانت الدولة جادة في بناء إعلام قومي قادر على مواجهة مرحلة ما بعد الحرب، فإن البداية الصحيحة ليست من أجهزة البث وحدها، وإنما من الإنسان.

فالمؤسسة التي لا تحفظ حقوق العاملين فيها، ولا تطمئن معاشييها، ولا توفر المعلومات بشفافية، ولا تسمح بالنقاش المسؤول حول قضاياهم، يصعب أن تستعيد ثقة المجتمع. أما إذا وضعت الحكومة والهيئة ملف العاملين في مقدمة مشروع إعادة البناء، فإن العودة إلى أم درمان يمكن أن تتحول من مجرد عودة جغرافية إلى عودة حقيقية للروح، وللمؤسسة، وللرسالة الإعلامية التي ظل السودانيون ينتظرونها في أحلك الظروف.

والسؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً أمام الجميع هو: **من يعيد بناء الإذاعة والتلفزيون؟ المباني أم الإنسان؟** والحقيقة أن إعادة المباني ممكنة، وشراء المعدات ممكن، وترميم الاستديوهات ممكن؛ لكن استعادة الإنسان الذي فقد ثقته في مؤسسته وحقه وكرامته هي المعركة الأصعب، وهي التي يجب أن تبدأ الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى