حين تصبح الإذاعة “الغائب الأكبر”.. هل اختُزل الإعلام السوداني في شاشة تلفزيون؟

ليس من حق أحد أن يقلل من أهمية إعادة تأهيل مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بأم درمان، ولا أن ينكر حجم الدمار الذي ألحقته الحرب بهذه المؤسسة الوطنية العريقة. فكل جهد يُبذل لإعادة بناء مؤسسات الدولة يستحق التقدير، وكل خطوة نحو استعادة البنية التحتية للإعلام الرسمي هي خطوة في الاتجاه الصحيح.
لكن ما لا يمكن القبول به هو أن تتحول عملية إعادة التأهيل إلى خطاب إعلامي يختزل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في التلفزيون وحده، وكأن الإذاعة السودانية لم تكن يوماً قلب الإعلام السوداني النابض، أو أن العاملين فيها مجرد هامش لا يستحق الذكر.
الخبر الذي نشرته وكالة السودان للأنباء (سونا) عن زيارة وزير الثقافة والإعلام الأستاذ خالد الإعيسر يثير أسئلة مشروعة أكثر مما يقدم إجابات. فمن يقرأ الخبر يخرج بانطباع واضح بأن كل الاهتمام الرسمي منصب على الاستديوهات، والإنارة، والديكور، والتشجير، والمظهر الخارجي، بينما تغيب الإذاعة السودانية، تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، عن المشهد بالكامل.
وهنا لا تكمن المشكلة في أعمال الصيانة نفسها، وإنما في الرسالة السياسية والإدارية والإعلامية التي يحملها هذا الخطاب.
فالهيئة ليست تلفزيوناً فقط، بل هي إذاعة وتلفزيون. وهذه ليست مجرد تسمية قانونية، وإنما حقيقة مؤسسية وتاريخية. الإذاعة السودانية سبقت التلفزيون بعقود، وكانت صوت السودان إلى العالم، ومنها خرجت أجيال من الإعلاميين والمذيعين والمبدعين، ومنها تشكل الوجدان الوطني، ومنها عرفت القرى والأرياف أخبار الوطن قبل أن يدخل التلفزيون إلى البيوت.
فلماذا تغيب الإذاعة في كل مرة؟
ولماذا يبدو وكأنها أصبحت عبئاً إدارياً لا مؤسسة وطنية تستحق الرعاية؟
ولماذا لا يسمع العاملون فيها سوى الوعود، بينما تتجه الكاميرات والزيارات والتغطيات إلى التلفزيون وحده؟
الخبر المنشور استخدم عبارة “الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون”، لكنه في مضمونه تحدث عن التلفزيون وحده تقريباً، وعن الاستديوهات الخاصة به، والمظهر الخارجي، والمكتبة، والديكور، والإنارة، والمباني، دون أن يقدم للرأي العام معلومة واحدة عن خطة الوزارة لإعادة تشغيل الإذاعة السودانية، أو تحديث استديوهاتها، أو إعادة تأهيل شبكاتها، أو معالجة أوضاع العاملين فيها.
وهنا يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل: هل توجد بالفعل رؤية متكاملة للإذاعة، أم أن الأمر يقتصر على إعادة افتتاح مبنى جميل من الخارج بينما يبقى أحد أهم أذرع الدولة الإعلامية يعاني التهميش؟
إن الإعلام ليس جدراناً مطلية، ولا حدائق مزروعة، ولا واجهات أنيقة. الإعلام الحقيقي هو الإنسان، والمحتوى، والمؤسسات، والرسالة، والكفاءات.
قد تبدو الزهور جميلة أمام المبنى، لكن ما قيمتها إذا كان الاستديو الإذاعي يفتقر إلى المعدات الحديثة؟ وما جدوى المساحات الخضراء إذا كانت الإذاعة التي صمدت في أصعب الظروف لا تجد نصيبها من التخطيط والاهتمام؟
لقد أثبتت تجارب الحروب في العالم أن الإذاعة هي الوسيلة الأكثر قدرة على الوصول إلى المواطنين في أوقات الأزمات، لأنها الأقل تكلفة، والأسرع انتشاراً، والأقدر على الوصول إلى المناطق التي تنعدم فيها الكهرباء أو خدمات الإنترنت أو حتى البث التلفزيوني.
ولهذا فإن تجاهلها ليس مجرد خطأ إداري، بل خطأ استراتيجي في فهم طبيعة الإعلام أثناء الأزمات وبعدها.
ومن المؤسف أيضاً أن يتحول الخطاب الرسمي إلى خطاب دعائي يركز على متابعة الوزير اليومية لأعمال الطلاء والتشجير والإنارة، بينما يغيب الحديث عن السياسات الإعلامية، وإصلاح المؤسسة، ومعالجة النزيف البشري الذي تعرضت له الهيئة، واستعادة الخبرات التي غادرتها، وتحسين أوضاع العاملين الذين تحملوا سنوات الحرب بكل ما فيها من معاناة.
القضية ليست في زيارة الوزير، فالزيارات واجب، وليست في إعادة الإعمار، فهي ضرورة وطنية، وإنما في ترتيب الأولويات.
فالمؤسسات الإعلامية لا تنهض بالأسمنت وحده، وإنما تنهض بالعقول والخطط، وبإعادة الاعتبار لكل مكوناتها دون تمييز.
إن آلاف العاملين في الإذاعة السودانية لا ينتظرون صوراً تذكارية أمام المباني، وإنما ينتظرون مشروعاً حقيقياً يعيد للإذاعة مكانتها، ويعيد إليها إمكاناتها، ويمكنها من أداء رسالتها الوطنية.
لقد آن الأوان لأن تعترف الوزارة بأن الإعلام السوداني لا يبدأ عند شاشة التلفزيون ولا ينتهي عندها، وأن الإذاعة ليست مؤسسة من الماضي، بل ضرورة للمستقبل، خاصة في بلد مترامي الأطراف مثل السودان.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة صريحة من السيد الوزير: ماذا فعلت الإذاعة السودانية حتى تُعامل بهذا القدر من التجاهل؟ ولماذا لا تظهر في أولويات الوزارة إلا اسماً في عنوان الهيئة، بينما يغيب حضورها في القرارات، والخطط، والتغطيات الرسمية؟
إن النقد هنا ليس استهدافاً لشخص الوزير، ولا انتقاصاً من أي جهد لإعادة إعمار مؤسسات الدولة، وإنما هو دفاع عن مؤسسة وطنية عريقة تستحق الإنصاف، ودعوة إلى تحقيق العدالة المؤسسية بين جناحي الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون. فالسودان لا يحتاج إلى تلفزيون قوي وإذاعة ضعيفة، ولا إلى مؤسسة يعلو فيها صوت شاشة ويخفت فيها صوت وطن ظل لعقود يتحدث عبر أثير الإذاعة إلى كل بيت وقرية ومدينة.










