راي

الوفاء لاهل العطاء… حكاية معلم يسكن القلوب

كتب أد.عبدالحليم موسى

هناك في زوايا الذاكرة حيث تختلط الروح بالزمان يظل أستاذي حاضرا، لا يغادر، لا يزول. لم يكن مجرد معلم يحمل في يده كتابا وطبشورة، بل كان نبراس ينير دروبنا، وأبا روحيا يحنو علينا، يرسم فينا حدود الانضباط قبل أن يغرس فينا حب المعرفة. كل درس كان يحمل في طياته أكثر من معلومة، كل صرامة كانت مشهدا من حب خفي، وكل ابتسامة كانت شهادة على إخلاصه الذي لا ينتهي.
لقد علمني أستاذي أن التعليم ليس مجرد نقل للمعارف، بل بناء للقلوب والعقول، وأن أثر المعلم لا يقاس بالصفوف أو الدروس، بل بالقيم التي يزرعها فينا والتي تبقى رغم رحيله الجسدي. كان رحمه الله يجمع بين الحزم والرقة، بين الانضباط الأبوي والرعاية الإنسانية، حتى أصبح حضوره في حياتنا أكثر من مجرد تعليم، أصبح تجربة حياة، ودرسا في الأخلاق، والأثر، والوفاء.
ارتحل عنا أستاذنا ووالدنا عبدالغني الطاهر، لكن حضوره لم يرتحل، بل بقي ممتدا فينا، في ملامح الوعي الذي تشكل على يديه، وفي ضمير لا يزال يهمس لنا كلما هممنا بالتقصير. لم يكن مجرد معلم يؤدي وظيفة، بل كان فكرة تمشي على الأرض، ورسالة تنبض في قلب إنسان، يرى في طلابه امتدادا لمعنى أعمق من الدرس والكتاب.
لقد كان رحمه الله معلما فاضلا، ومربيا نبيلا، حمل رسالة العلم بأمانة، وغرس في نفوس طلابه القيم قبل المعارف، فكان أبا قبل أن يكون أستاذا، وقدوة في خلقه، وتفانيه، وإخلاصه. كان يؤمن أن التعليم ليس حشوا للعقول، بل بناء للإنسان، وأن الانضباط ليس قيدا، بل طريقا إلى الحرية الحقيقية.
وكان إخلاصه في التدريس صورة نادرة يصعب أن تتكرر، فقد كان يمنح الدرس من روحه قبل وقته، ويعامل طلابه وكأنهم أبناؤه الذين يحمل هم مستقبلهم في قلبه. كنا نعيش معه حالة من الانضباط تكاد تشبه العسكرية، لكنها لم تكن قسوة مجردة، بل كانت تربية واعية تناسب طورا من أعمارنا كنا فيه أحوج ما نكون إلى تلك الصرامة الأبوية. كنا نراه أحيانا حازما لا يلين، ثم نكتشف مع الزمن أن ذلك الحزم كان سياجا يحمي خطواتنا الأولى من التعثر. لقد كان بالنسبة لنا الأب الروحي الذي يوجه، ويقوم، ويغرس فينا معنى الالتزام قبل أن نفهم قيمته.
كنا نراه صارما، وربما لم ندرك آنذاك أن صرامته كانت الوجه الآخر لرحمته. كان يشتد علينا لأنه يرى فينا ما لم نره في أنفسنا بعد، وكان يغضب حين نهمل لأن قلبه كان معلقا بمستقبلنا. لم تكن قسوته إلا حبا متنكرا في هيئة نظام، ولم يكن حزمه إلا خوفا علينا من أن نضيع في فوضى الحياة.
أتذكر حين انتقلت إلى المرحلة الثانوية، كيف شعرت بشيء من الانفلات، وكأن غياب ذلك الصوت الحازم فتح بابا للتمرد. افتقدت ذلك الإيقاع الذي ألفناه معه، ذلك الميزان الدقيق بين الشدة والعطف. يومها لم أفهم أن الانضباط الذي غرسه فينا لم يكن مجرد التزام مؤقت، بل كان محاولة لبناء إنسان قادر على أن يقود نفسه حين يغيب الرقيب.
ولأن الوفاء لا يكتمل بالبكاء وحده، بل بالفعل الذي يخلد الأثر، فقد اجتمع طلابه على فكرة تليق بمقامه، أن يكون له أثر باق في الأرض كما كان أثره باقيا في النفوس. فتبرعوا لبناء مسجد أو صرح علمي أو صحي يحمل اسمه في مدينة القرشي، ليكون شاهدا على إخلاصهم لأستاذهم، وامتدادا لرسالته التي لم تنقطع برحيله. هناك، سيبقى اسمه مرفوعا مع كل أذان، أو حاضرا مع كل طالب علم، أو نابضا في كل يد تمتد بالعلاج والرحمة، وكأن روحه لا تزال تعلم، وتربي، وتعطي.
إن فراقه موجع، نعم، لكنه وجع يوقظ فينا المعنى، لا يميته. عزاؤنا أن ما زرعه من علم نافع وأثر طيب سيبقى صدقة جارية له، تتجدد في كل طالب نجح، وفي كل قيمة صمدت أمام انكسارات الحياة. لقد رحل الجسد، لكن الفكرة باقية، والروح ممتدة في أعمال تلاميذه، وفي دعوات صادقة تخرج من قلوب عرفت فضله.
رحمك الله يا أستاذي، فقد علمتنا أكثر مما كنا نظن، وربيت فينا ما لم نكن نراه. وإن كنا اليوم نشعر بثقل الغياب، فإننا في الوقت ذاته نحمل مسؤولية الوفاء، بأن نكون كما أردت: مستقيمين، صادقين، أوفياء للعلم، وللإنسان، وللقيم التي غرستها فينا.
نم قرير العين، فما زرعته لم يمت، وما علمتنا لن يضيع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى