سامية أوشيك.. حين تتحول السياحة إلى مشروع وطن

ليست السياحة مجرد شواطئ تُطل على البحر، أو مواقع أثرية تستدعي ذاكرة التاريخ، بل هي ثروة كامنة، واقتصاد واعد، ورسالة حضارية تختصر هوية المكان وتفتح نوافذ المستقبل. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية الجهود التي تقودها الدكتورة سامية أوشيك، الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة والسياحة والاستثمار بولاية البحر الأحمر، في قراءة إمكانات الولاية واستنهاض مواردها ووضعها في سياق التنمية المستدامة.
البحر الأحمر ليس ولاية عادية في خارطة السودان، بل هو بوابة البلاد البحرية، وكنزها الطبيعي والسياحي، وموطن ثراء بيئي وتنوع جغرافي نادر. فعلى امتداد ساحله الذي يقارب 750 كيلومتراً، تتناثر الجزر والشعاب المرجانية والمحميات الطبيعية، وتتجاور المواقع التاريخية والأثرية مع الخلجان والخلجان الصغيرة والمقومات التي تجعل منه وجهة سياحية قادرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً.
وما يلفت الانتباه في الرؤية التي تطرحها سامية أوشيك، أنها لا تنظر إلى السياحة باعتبارها نشاطاً ترفيهياً محدود الأثر، وإنما بوصفها قطاعاً اقتصادياً متكاملاً، تتقاطع فيه البيئة والاستثمار والخدمات والتراث، وتتكامل عبره مسؤولية الدولة مع دور القطاع الخاص والمجتمع المحلي.
إن الحديث عن السياحة البحرية والغوص والشعاب المرجانية والمحميات الطبيعية، وعن السياحة التاريخية والتراثية، ليس استدعاءً لمجرد الجمال الطبيعي، بل هو حديث عن فرص عمل، ومشروعات استثمارية، ومصادر دخل، وعن ولاية يمكن أن تجعل من مواردها الطبيعية رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني.
وفي سياق هذا الحراك، يكتسب فوز ولاية البحر الأحمر بالدرع الذهبي من الاتحاد الأفريقي في مارس 2026 دلالة خاصة، باعتباره اعترافاً بما تختزنه الولاية من كنوز طبيعية وسياحية غير مكتشفة، وبما تملكه من مقومات تؤهلها لتكون إحدى أبرز الوجهات السياحية في المنطقة. وهو تكريم لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه وساماً بروتوكولياً فحسب، بل مسؤولية تقتضي تحويل هذا الاعتراف إلى واقع ملموس ومشروعات منتجة.
وتتجلى قيمة هذه الرؤية في الربط بين الترويج السياحي وحماية البيئة؛ فغابات المانجروف، والجزر البحرية، والشعاب المرجانية، والمحميات الطبيعية، ليست مجرد مشاهد خلابة، وإنما ثروة وطنية تستوجب الحماية والصون، حتى تظل مورداً للأجيال القادمة، ومقصداً للسائحين من داخل السودان وخارجه.
ولعل الرهان الأكبر يكمن في تهيئة البيئة الاستثمارية، وتطوير البنية الخدمية، وتوسيع الطاقة الفندقية، والارتقاء بمستوى المطاعم والكافتيريات والمنتجعات السياحية، إلى جانب توفير خدمات النقل والإرشاد السياحي، بما يصنع تجربة متكاملة تليق بما تزخر به الولاية من إمكانات.
إن سامية أوشيك تضع أمامنا قضية تتجاوز حدود الترويج للسياحة؛ إنها قضية استثمار في المكان والإنسان، وحسن إدارة للموارد، وانتقال من مرحلة تعداد المقومات إلى مرحلة استثمارها. فالسياحة لا تنهض بالأمنيات وحدها، وإنما بالتخطيط، والعمل المؤسسي، والشراكات الجادة، والإرادة التي تعرف كيف تحول الثروة الطبيعية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.
البحر الأحمر يستحق أكثر من أن يكون لوحة جميلة على خارطة السودان؛ يستحق أن يكون وجهة سياحية عالمية، ورافداً للاقتصاد الوطني، وعنواناً للتنمية المستدامة. وتلك هي المعركة الحقيقية التي تستحق أن تتضافر من أجلها الجهود.









