تضرر شبكات الاتصالات يضع الخدمات المصرفية الرقمية في السودان أمام اختبار الاستقرار

تقرير: رحمة عبد المنعم
الخرطوم: أعادت الأعطال المتكررة التي تشهدها التطبيقات المصرفية في السودان إلى الواجهة التداعيات المباشرة للأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لقطاعي الاتصالات والكهرباء، في وقت تصاعد فيه اعتماد المواطنين والقطاعات الاقتصادية على الخدمات المصرفية الإلكترونية، بالتزامن مع شح السيولة النقدية وتراجع التعاملات النقدية المباشرة.
وأصبح استقرار التطبيقات المصرفية مرتبطاً بصورة متزايدة بسلامة منظومة تقنية متكاملة تشمل شبكات الاتصالات والإنترنت، ومراكز البيانات، والخوادم، وإمدادات الكهرباء، والأنظمة المصرفية المركزية، الأمر الذي جعل تداعيات الحرب على البنية التحتية تمتد إلى حركة الأموال والمعاملات اليومية.
أضرار واسعة بقطاع الاتصالات
وتعرضت البنية التحتية لقطاع الاتصالات في السودان لأضرار واسعة خلال الحرب، شملت أبراج التغطية ومحطات الربط الشبكي، إلى جانب فقدان ونهب عدد من المولدات ومصادر الطاقة الشمسية والبطاريات والوقود ومعدات تقنية أساسية لتشغيل المحطات.
وانعكست هذه الأضرار على جودة واستقرار خدمات الاتصالات والإنترنت، التي تمثل حلقة أساسية في منظومة الخدمات المصرفية الرقمية، إذ يعتمد المستخدم على اتصال مستقر للوصول إلى أنظمة البنوك ومراكز البيانات وتنفيذ معاملاته.
ومع ضعف التغطية وتكرار انقطاعات الإنترنت، تتزايد شكاوى المستخدمين من بطء التطبيقات، وصعوبة تسجيل الدخول، وتأخر تنفيذ التحويلات، وتعطل عمليات الدفع والاستعلام عن الأرصدة.
ولا تقف تداعيات هذه الأعطال عند الجانب التقني، بل تمتد إلى النشاط الاقتصادي اليومي، في ظل اعتماد المواطنين والتجار بصورة متزايدة على التحويلات الإلكترونية في شراء السلع وتسوية المدفوعات وإدارة الالتزامات المالية.
التطبيقات المصرفية تحت ضغط متزايد
وجاء تراجع كفاءة البنية التحتية للاتصالات في وقت شهد فيه استخدام التطبيقات المصرفية توسعاً لافتاً، لتتحول من وسيلة مساعدة إلى أداة رئيسية لإدارة المعاملات المالية اليومية.
وتشمل أبرز التطبيقات المستخدمة «بنكك» التابع لبنك الخرطوم، و«فوري» التابع لبنك فيصل الإسلامي، و«أوكاش» التابع لبنك أم درمان الوطني، و«ساهل» التابع لبنك النيل، إلى جانب تطبيقات مصرفية أخرى.
وتوفر هذه التطبيقات خدمات متعددة تشمل تحويل الأموال، وسداد الالتزامات، والشراء الإلكتروني، واستلام الرواتب والمدفوعات، والاستعلام عن الأرصدة، الأمر الذي جعل استمرارية عملها ذات ارتباط مباشر بحركة النشاط الاقتصادي.
ومع اتساع قاعدة المستخدمين وزيادة حجم المعاملات الإلكترونية، لم يعد تعطل التطبيق المصرفي يمثل مشكلة فنية داخل البنك وحده، وإنما أصبحت آثاره تمتد إلى المواطنين والتجار والأسواق، وتعطل جانباً من عمليات البيع والشراء وتدفق الأموال.
شح السيولة يعزز الاعتماد على الخدمات الإلكترونية
وتتضاعف آثار تعطل التطبيقات المصرفية في ظل شح السيولة النقدية، الذي دفع قطاعات واسعة من المواطنين والتجار إلى الاعتماد على التحويلات الإلكترونية لتسيير معاملاتهم اليومية.
وأصبحت التحويلات المصرفية جزءاً أساسياً من حركة الأسواق، بما في ذلك المتاجر والصيدليات ومحطات الوقود وغيرها من الأنشطة، الأمر الذي يجعل أي توقف في الخدمة أو بطء في تنفيذ المعاملات مؤثراً بصورة مباشرة على حركة النشاط التجاري.
وتبرز هنا مفارقة فرضتها ظروف الحرب؛ فكلما تراجعت قدرة المواطنين على الاعتماد على النقد، ارتفع اعتمادهم على التطبيقات المصرفية، في وقت تعمل فيه هذه التطبيقات ضمن بيئة تقنية تعاني من ضعف شبكات الاتصالات واضطراب إمدادات الكهرباء وضغوط متزايدة على البنية الرقمية للمصارف.
مختص: الأعطال تتجاوز المشكلات الفنية العابرة
ويرى مختصون في التحول الرقمي والتقنية المصرفية أن الأعطال المتكررة التي تواجه التطبيقات البنكية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مشكلات تقنية منفصلة، وإنما نتاجاً لتداخل عوامل فنية وهيكلية تفاقمت بفعل ظروف الحرب.
وقال المهندس محمد عباس، المختص في التحول الرقمي والتقنية المصرفية، إن تعطل التطبيقات البنكية، ولا سيما تطبيق «بنكك»، كشف حجم التحديات التي تواجه البنية الرقمية للقطاع المصرفي، في ظل الزيادة الكبيرة في الاعتماد على الخدمات الإلكترونية نتيجة شح السيولة النقدية.
وأشار إلى أن النمو المتسارع في أعداد المستخدمين وحجم المعاملات الإلكترونية لم يصاحبه في بعض الحالات تحديث تقني بالوتيرة ذاتها، ما أدى إلى زيادة الضغط على الخوادم والسعات التشغيلية، خاصة خلال فترات الذروة.
وعزا عباس الأعطال المتكررة إلى جملة من العوامل، من بينها تضرر شبكات الاتصالات، وانقطاع التيار الكهربائي، والأضرار التي لحقت بمراكز البيانات، إلى جانب ما تعرضت له بعض مقرات البنوك الرئيسية في الخرطوم من نهب وتخريب خلال الحرب.
وأكد أن معالجة هذه التحديات تتطلب تحديث الأنظمة المصرفية، وزيادة السعات التشغيلية للخوادم، وإنشاء مراكز بيانات احتياطية، إلى جانب توفير أنظمة بديلة تضمن استمرارية الخدمة حال تعطل الأنظمة الرئيسية.
كما شدد على أهمية تعزيز التنسيق الفني بين المصارف وشركات الاتصالات، للحد من تأثير انقطاعات الشبكات على الخدمات المصرفية الرقمية.
الكهرباء حلقة أساسية في استقرار الخدمة
ولا يمكن فصل أزمة الاتصالات عن وضع قطاع الكهرباء، إذ تعتمد أبراج الاتصالات ومراكز البيانات والخوادم على إمدادات مستقرة من الطاقة لضمان استمرار خدمات الاتصالات والإنترنت والأنظمة المصرفية.
ويكشف هذا الترابط أن استمرارية الخدمات المصرفية الرقمية أصبحت رهناً بمنظومة متكاملة تضم الكهرباء، وشبكات الاتصالات، ومراكز البيانات، والخوادم، والأنظمة المصرفية، بحيث يمكن لأي خلل في إحدى حلقاتها أن ينتقل أثره إلى بقية المنظومة.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية للاتصالات والكهرباء، وتوسعة قدرات مراكز البيانات والخوادم، وإنشاء أنظمة احتياطية، إلى جانب تطوير خطط فعالة لاستمرارية الأعمال والتعامل مع حالات الطوارئ.
كما يمثل تعزيز التعاون الفني بين المصارف وشركات الاتصالات ومقدمي خدمات البنية التحتية عاملاً مهماً في تقليل فترات التعطل ورفع موثوقية الخدمات المصرفية الإلكترونية.
إصلاح البنية الرقمية.. شرط لاستقرار حركة الأموال
ومع تحول التطبيقات المصرفية إلى جزء أساسي من حركة الأموال والمعاملات اليومية في السودان، فإن إعادة تأهيل البنية التحتية للاتصالات والكهرباء لم تعد مسألة خدمية فحسب، بل أصبحت عاملاً مرتبطاً مباشرة باستقرار القطاع المصرفي وقدرة المواطنين والقطاعات الاقتصادية على الوصول إلى أموالهم وتنفيذ معاملاتهم.
ويبدو أن استدامة التحول نحو الدفع الإلكتروني في السودان ستظل مرتبطة بمدى قدرة القطاعين المصرفي والاتصالي على تجاوز آثار الحرب، وتحديث البنية التقنية، ورفع السعات التشغيلية، وتوفير بدائل احتياطية قادرة على ضمان استمرار الخدمة في مواجهة الانقطاعات والطوارئ









