حين يصبح الراتب تهمة.. هل نريد صحافة تبحث عن الحقيقة، أم صحافة تبحث عن رقم كبير تصنع به ضجة؟
بقلم: مي الامين

الرقم، حين يُنتزع من سياقه، يمكن أن يُخيف القارئ. لكن الأرقام لا تُقرأ بهذه الطريقة؛ فالرقم المالي لا يكتسب معناه إلا من خلال طريقة احتسابه، والأساس الذي بُني عليه، واللوائح التي تحكمه.
يقال إن إجمالي الاستحقاق الشهري لمحافظ بنك السودان المركزي يبلغ نحو 44 مليون جنيه، وهو رقم يبدو كبيراً للوهلة الأولى. لكن عند تحويله بسعر الدولار المتداول، يصبح الحديث عن نحو 6,785 دولاراً شهرياً تقريباً.
والسؤال هنا ليس: هل 44 مليون جنيه رقم كبير؟
السؤال الحقيقي: هل نحو 6,785 دولاراً راتبٌ استثنائي لمن يتولى أعلى سلطة نقدية ومصرفية في البلاد؟
نحن نتحدث عن منصب شديد الحساسية، يرتبط بإدارة السياسة النقدية والمصرفية، والاحتياطيات، واستقرار النظام المالي، ويتطلب مؤهلات فوق جامعية وخبرة طويلة، فضلاً عن التفرغ والقيود القانونية والأخلاقية المفروضة على شاغل المنصب لمنع تضارب المصالح.
ومن هنا، فإن تحويل النقاش إلى مجرد رقم إجمالي، ثم تقديمه للرأي العام باعتباره «راتباً ضخماً»، يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة المهنية.
ما أثار انتباهي في بعض الطروحات الصحفية هو جمع الحوافز والبدلات والمخصصات المختلفة ــ مثل بدل العلاج والملابس والأعياد وغيرها ــ ثم ضربها جميعاً في إجمالي الاستحقاق الشهري البالغ 44 مليون جنيه، وكأن كل هذه البنود تُحتسب بالضرورة على الأساس نفسه.
وهذا، من الناحية المحاسبية، ليس أمراً يمكن افتراضه بهذه البساطة.
فالبدلات والمخصصات لا تُحتسب تلقائياً على إجمالي الاستحقاق، وإنما يخضع كل بند منها للأساس المحدد في العقد أو اللائحة المالية المنظمة له. وقد يكون أساس الاحتساب هو الراتب الأساسي الذي يكون بطبيعة الحال أقل من إجمالي الاستحقاق بعد إضافة المخصصات والبدلات الثابتة.
وبالتالي، من الممكن ــ على سبيل المثال ــ أن يكون الراتب الأساسي 15 أو 20 مليون جنيه، بينما يبلغ إجمالي الاستحقاق الشهري 44 مليوناً بعد إضافة بدلات ومخصصات أخرى.
وعليه، فإن الحوافز السنوية أو بدل الملابس أو مخصصات الأعياد وغيرها لا تُضرب تلقائياً في مبلغ الـ44 مليوناً، إلا إذا نص العقد أو اللائحة المالية صراحة على أن إجمالي الاستحقاق هو أساس احتسابها.
وهنا تحديداً ينبغي أن يكون دور الصحافة هو التحقق لا الإثارة، والتدقيق لا التضخيم.
فمن يريد أن يقدم للرأي العام رقماً باعتباره «الدخل السنوي» لأي مسؤول، عليه أولاً أن يعرف كيف حُسب هذا الرقم، وما هي البنود التي تدخل فيه، وما هو الأساس المحاسبي لكل بند.
أما ضرب إجمالي الاستحقاق في مجموعة من البدلات والمخصصات، دون الرجوع إلى أساس احتساب كل منها، ثم تقديم الناتج للقارئ باعتباره حقيقة مالية نهائية، فهو حساب يحتاج إلى مراجعة قبل أن يتحول إلى مادة للحكم على الناس.
أنا لا أكتب هذا دفاعاً عن محافظ بنك السودان المركزي، ولا أرى أن أي مسؤول يجب أن يكون فوق المساءلة.
لكن إذا كانت الشفافية هي المعيار، فيجب أن تكون شفافية للجميع.
إذا كان السؤال مشروعاً عن راتب محافظ البنك المركزي ومخصصاته، فمن المشروع أيضاً أن نسأل عن رواتب ومخصصات كبار المسؤولين الآخرين، وعن تكلفة إقاماتهم، وعن النفقات المرتبطة بمهماتهم، وعن التعليم والسكن والتنقلات والسفر، وعن كل ما يُدفع من المال العام.
لماذا يصبح راتب المسؤول قضية رأي عام، بينما تختفي الأسئلة ذاتها عندما يتعلق الأمر بمسؤولين آخرين؟
لماذا نطالب بالكشف والتدقيق عندما يكون المسؤول امرأة
وهل يستطيع الذين يرفعون راية محاربة الفساد والإنفاق الحكومي أن يقدموا للرأي العام كشفاً واضحاً بمخصصات كبار المسؤولين جميعاً، دون استثناء؟
هذه ليست اتهامات، وإنما أسئلة الشفافية التي يجب أن تكون متاحة للجميع.
الصحفي صاحب الخبرة الطويلة يعرف أن الأرقام لا تحتاج إلى انفعال حتى تكون مؤثرة.
ويعرف أيضاً أن مسؤولية الصحافة ليست في جعل الرقم أكبر مما هو عليه، وإنما في وضعه أمام القارئ كما هو، مع تفسير طريقة احتسابه ومصدره.
والأخطر من ذلك أن يتحول النقد المهني إلى نبرة شخصية أو تمييز على أساس الجنس أو تحامل على الشخص بدلاً من مناقشة القرار والسياسة والمال العام.
يمكن أن نختلف مع محافظ البنك المركزي.
يمكن أن ننتقد سياساته.
يمكن أن نطالب بكشف راتبه ومخصصاته.
بل ويمكن أن نطالب بمراجعة كل جنيه يُدفع من المال العام.
المال العام واحد، والأسئلة واحدة، والمساءلة يجب أن تكون واحدة.
المفارقة المؤلمة أن كل هذه الأرقام تُناقش في بلد يرزح فيه ملايين المواطنين تحت ضغط الحرب والفقر والنزوح وانهيار الخدمات.
لهذا فإن القضية الحقيقية ليست أن نغضب من راتب هذا المسؤول أو ذاك.
القضية أن نضع معياراً واحداً للمال العام.
إن كان راتب محافظ البنك المركزي يحتاج إلى مراجعة، فليُراجع.
وإن كانت مخصصاته تحتاج إلى كشف، فلتُكشف.
وإن كانت هناك تجاوزات مالية، فلتُحاسب الجهة المسؤولة عنها.
لكن في المقابل، يجب أن تمتد الأسئلة نفسها إلى كل مواقع السلطة والنفوذ.
لا تجعلوا من راتب المسؤول جريمة،
فالشفافية لا تتجزأ،
وفي نهاية المطاف، ربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه جميعاً:
هل نريد صحافة تبحث عن الحقيقة، أم صحافة تبحث عن رقم كبير تصنع به ضجة؟
أنا مع الأولى.
أما الثانية، فمهما كان عنوانها جذاباً، فإنها لا تخدم المواطن، ولا تحمي المال العام، ولا تصنع دولة مؤسسات.







