راي

*الكلمة المسؤولة:* *بين حق النقد وواجب التحقق

كتب/عامر حسن

 

شهدت الأيام الماضية حملة إعلامية بدت وكأنها تستهدف والي ولاية الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، والأمين العام لحكومة الولاية الأستاذ أحمد المصطفى، عبر تداول منشورات فندها إعلام ولاية الخرطوم بأصدار بيان توضيحي ، قدم ردوده وتوضيحات بشأنها.
ومن المبادئ الأساسية للعمل الصحفي المهني تحري الدقة، والرجوع إلى المصادر الرسمية للحصول على المعلومات من جهاتها المختصة قبل نشر أي اتهامات أو استنتاجات، خاصة عندما يتعلق الأمر بمستندات رسمية أو قضايا تمس الشأن العام، وإذا كانت لدى الصحفي معلومات أو مستندات يعتقد أنها تثير تساؤلات، فإن المنهج المهني يقتضي مخاطبة المؤسسة المعنية والاستفسار عن تفاصيل تلك المستندات والإجراءات المرتبطة بها، حتى تُعرض الوقائع كاملة للرأي العام.
فجوهر الصحافة الاستقصائية ليس مجرد الحصول على وثيقة أو نشرها، وإنما التحقق من صحتها، وفهم سياقها، والاطلاع على الإجراءات التي صاحبتها، والاستماع إلى جميع الأطراف ذات الصلة قبل تكوين أي استنتاج، فالتوازن والموضوعية هما أساس العمل الصحفي، لا الإثارة أو إصدار الأحكام المسبقة.
وما يُحسب لحكومة ولاية الخرطوم أنها لم تتجاهل ما أُثير، بل بادرت عبر إعلام الولاية بإصدار بيان توضيحي، تأكيدًا لنهج يقوم على الشفافية وتمليك الرأي العام الحقائق ، وهذا النهج يعزز الثقة بين المؤسسات والمواطنين، وفي الوقت نفسه يحمّل الجميع مسؤولية الكلمة، لأن الحرب لم تنتهِ بعد، والعدو لا يزال يتربص بالبلاد، وأي معلومات غير متحقق منها قد تُستغل للإضرار بالمصلحة العامة.
كما يُلاحظ أن بعض القضايا كثيرًا ما تُثار في توقيتات تتزامن مع انتصارات تحققها القوات المسلحة والقوات المساندة، وكأن الهدف هو صرف اهتمام الرأي العام عن تلك الإنجازات، وقد جاء تحرير الكرمك إنجازًا وطنيًا كبيرًا أسعد السودانيين جميعًا، ولا ينبغي السماح لأي محاولات للتشويش على هذه الفرحة أو تحويل الأنظار عنها.
وفي المقابل، فإن ما أنجزته حكومة ولاية الخرطوم منذ تحرير الولاية وحتى اليوم يستحق التوثيق، فقد أحدثت المليشيا دمارًا شاملاً ، لكن حكومة ولاية الخرطوم تمكنت، رغم التحديات، من إعادة تشغيل العديد من المرافق، وتنفيذ مشروعات في مجالات المياه والكهرباء والصحة والتعليم والطرق وغيرها من الخدمات الأساسية، إلى جانب مشروعات أخرى لا تزال قيد التنفيذ.
ومن المهم التمييز بين أعمال الصيانة وأعمال التأهيل، فلكل منهما إجراءات فنية وإدارية تختلف عن الأخرى، فالصيانة تهدف إلى إعادة المرفق إلى كفاءته التشغيلية والمحافظة عليه، بينما يعني التأهيل إعادة بناء أو استعادة المرافق التي تعرضت لأضرار جسيمة أو دمار كامل، وهو ما يستلزم دراسات فنية، وتقييمًا هندسيًا، وإجراءات قانونية وإدارية ومالية متكاملة قبل التنفيذ، لذلك فإن قراءة أي مستند بمعزل عن سياقه الفني والإجرائي قد تقود إلى استنتاجات لا تعكس الحقيقة كاملة.
ومن ينظر إلى الخرطوم بعد التحرير وما شهدته من تحسن ملحوظ في مستوى الخدمات، يدرك أن ما تحقق من جهود كبيره جاء في ظروف استثنائية بعد دمارًا غير مسبوق في البنية التحتية ومؤسسات الدولة، لذلك في ظل هذا الواقع لوضع غير مثالي، لا من خلال مقارنات تتجاهل حجم الخراب الذي خلفته المليشيا، وكأن الولاية لم تمر بظروف الحرب.
والقيادة العليا للدولة تدرك حجم هذه الجهود، فهي ليست بمعزل عما يجري في ولاية الخرطوم من جهود كبيرة تضطلع بها، عطفاً على ذلك تابعت بصورة مباشرة خطوات إعادة الإعمار واستعادة الخدمات، وقد ظلت تقدم الإسناد والدعم ، في إطار جهود الدولة لإعادة بناء العاصمة واستعادة مؤسساتها وخدماتها.
ولذلك فإن أي محاولة للتقليل من هذه الجهود أو تصوير الواقع بعيدًا عن ظروف الحرب لن تغير من الحقائق على الأرض، فالقيادة تدرك حجم المجهودات التي بُذلت، والبناء والإعمار مستمران بمشاركة مؤسسات الدولة كافة، وصولًا إلى استعادة ولاية الخرطوم كامل عافيتها.
ومن يسعى إلى تحقيق حضور إعلامي أو شهرة على حساب الآخرين، فإن الأولى به أن يوجه قلمه وجهده لإسناد القوات التي تتقدم في ميادين القتال، وأن يدعم مؤسسات الدولة في معركة استعادة الأمن و الإعمار، لا أن يحاول بين الحين والآخر تجريم الدولة أو التشكيك في مؤسساتها دون تثبت أو استكمال للحقائق، فالنقد المسؤول حق مكفول، لكنه يختلف عن الاتهامات التي قد تُلحق الضرر بالمصلحة العامة، خاصة في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه تحديات الحرب.
واللافت أن حكومة الولاية لم تنشغل بالترويج لإنجازاتها بقدر انشغالها بالعمل الميداني وخدمة المواطنين، إيمانًا منها بأن أداء الواجب هو مسؤوليتها الأولى. ولو أن الإعلاميين والصحفيين خصصوا جزءًا من وقتهم للاطلاع على ما تحقق من مشروعات وجهود على أرض الواقع، لوجدوا مادة ثرية تستحق أن تُكتب عنها سلسلة من المقالات والتقارير، ولأسهموا في توثيق مرحلة مهمة من مراحل إعادة البناء بتكاتف الجميع .
لما سبق هناك رجالًا يعملون بإخلاص ومسؤولية، واضعين مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، ويواصلون أداء واجبهم رغم التحديات.
كما أن كثيرين ممن يكتبون اليوم ليسوا إعلاميين أو صحفيين محترفين، وإنما دفعتهم ظروف معركة الكرامة إلى أن يكونوا جزءًا من معركة الوعي، فوجدنا المهندس، والطبيب، والمعلم، والإداري، وغيرهم، يحملون القلم كما يحمل المقاتلون السلاح دفاعًا عن الوطن، وهذه مشاركة وطنية مقدرة، لكنها تظل أكثر أثرًا حين تلتزم بضوابط الكلمة المسؤولة، فتدرك ماذا تكتب، وكيف تكتب، ومتى تنشر، لأن الكلمة في زمن الحرب قد تكون سندًا للوطن، وقد تتحول – إن غاب عنها التحقق – إلى أداة يستفيد منها العدو.
وفي المقابل، تزخر الساحة الإعلامية السودانية بقامات صحفية كبيرة، صنعت مدارس راسخة في المهنية والتحري والموضوعية، وما زالت كتاباتهم تمثل مصدر إلهام للأجيال الجديدة، والاستفادة من خبراتهم، والاقتداء بمنهجهم، من شأنه أن يرتقي بالخطاب العام، ويجعل من وسائل التواصل الاجتماعي منبرًا للبناء لا للهدم، وللوعي لا للشائعات.
وعندما تنتهي هذه الحرب، ويكتمل النصر بالقضاء على المليشيا بإذن الله، فإن كل من أسهم بكلمة صادقة أو موقف مسؤول أو جهد مخلص سيظل شريكًا في هذا الإنجاز الوطني. فمعركة الكرامة لم تكن معركة المقاتلين وحدهم، وإنما معركة وطن شارك فيها الجميع، كلٌ من موقعه، دفاعًا عن السودان ومستقبله.
ولهذا نقول لوالي ولاية الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، وللأمين العام لحكومة الولاية: واصلوا مسيرة العمل والعطاء، وامضوا قدمًا في تحقيق المزيد من الإنجازات، ولا تلتفتوا إلى محاولات التشويش أو حملات التشكيك، فالأعمال والإنجازات على أرض الواقع هي خير شاهد.
نسأل الله أن يتقبل الشهداء، وأن يمنّ على الجرحى بالشفاء العاجل، وأن يفك أسر المأسورين، وأن يحفظ السودان وأهله، وأن يتم نعمته بالنصر على المليشيا وحلفائها، وأن يوفق الجميع لأستكمال مسيرة البناء والإعمار.

*عامرحسن 17 يوليو*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى