
ليس من السهل الكتابة عن شخصيات تمر في المشهد العام مرور الأقوياء، تترك بصمتها ثم تمضي دون ضجيج، لكن اسم الأستاذ سامي الرشيد يفرض نفسه كلما ذُكر ملف الحج والعمرة، وكلما فُتح نقاش حول القيادة الحقيقية التي تعمل في الضوء ولا تعرف دهاليز الظل.
سامي الرشيد واحد من أولئك الذين لا يحتاجون إلى تلميع، فقوة شخصيته وحدها تكفي لتعريفه، وثقته في نفسه ليست ادعاءً عابراً بل نتاج تجربة طويلة وقرارات صعبة لم يتردد في اتخاذها.
هو رجل لا يعرف العمل في الغرف المظلمة، ولا يجيد سياسة الوجوه المتعددة، واضح حدّ الصراحة، صلب حدّ القطيعة عندما يقتنع، ولا يلتفت إلى الوراء إذا حسم أمره.
في حضوره مهني صارم، وفي غيابه فراغ ثقيل، وفي مواقفه شجاعة نادرة في زمن كثر فيه المترددون وتوارى فيه أصحاب القرار خلف الأعذار.
عندما تولى سامي الرشيد ملف الحج والعمرة، أدار واحداً من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً باحترافية عالية، واضعاً مصلحة الحجاج فوق كل اعتبار، ومنظماً عملاً ظل سنوات يعاني من الترهل والارتباك.
نجاحه لم يكن مفاجئاً لمن يعرفون الرجل، لكنه كان صادماً لأعداء النجاح، أولئك الذين لا يحتملون رؤية تجربة نظيفة تسير بثبات دون أن تمر عبر بواباتهم.
حاولوا النيل منه، نسجوا المكائد، وتربصوا بالإنجاز، لكن القاعدة القديمة ظلت حاضرة: لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
غادر سامي الرشيد موقعه بعزة نفس، دون أن يساوم أو يساير، تاركاً خلفه فراغاً حقيقياً لم ولن يُملأ كما كان، وربما لن يكون أفضل مما كان.
ما يحمله الرجل من معلومات دقيقة وحقيقية حول ملف الحج والعمرة، لو خرجت إلى العلن، لأربكت حسابات كثيرة وغيّرت موازين ظنها البعض ثابتة.
لكنه، ولحسابات خاصة وعامة، اختار فضيلة الصمت، وهو صمت العارف لا صمت العاجز، صمت من يدرك أن لكل شيء أوانه، وأن الغد قريب لمن ينتظر.
ترك الموقع الذي تسيل له لعاب الطامحين، وفضّل العودة إلى أهله وعشيرته في إقليم النيل الأزرق، وتحديداً مدينة الدمازين، حيث الاستقرار الحقيقي والاحتضان الصادق.
هناك، وسط أهله، بدا وكأنه يختار السلام الداخلي على صخب المناصب، والجوهر على المظاهر، وهو اختيار لا يقدر عليه إلا من اكتفى بذاته.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاوز الإشارة إلى شخصية نائب رئيس مجلس السيادة الفريق مالك عقار إير، الذي يُحسب له حسن اختياره للقيادات المؤثرة والناجحة.
مالك عقار رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يمتلك رؤية ثاقبة، ويعرف أن القيادة لا تُدار بالأسماء بل بالكفاءات.
الرجل القوي لا يرضى إلا أن يكون حوله رجال أقوياء، فاعلون، يضيفون ولا يستهلكون، يبنون ولا يكتفون بالحضور الشكلي.
وسامي الرشيد من هذا الطراز النادر، رجال يتقدمون الصفوف بوعي وإدراك، ولا يقبلون أن يكونوا مجرد “تمومة جرتق” في مشهد مزدحم بالزينة وقليل الفعل.
هو رجل مقدمة لا صفوف خلفية، وصاحب تاريخ لا يحتاج إلى توصية، وعطاء لا يقبل الاختزال.
إن بقاء سامي الرشيد في مساطب المتفرجين أو على قوائم الانتظار يمثل خسارة حقيقية للمشهد العام، وللدولة قبل الأشخاص.
سيدي نائب رئيس مجلس السيادة، إن إنزال الرجال منازلهم وإكرام وفادتهم ليس تفضلاً بل واجباً، خاصة إذا كانوا من طينة سامي الرشيد.
هو عزيز قوم، وسيد من ساداتهم، واحترامه وتقديره واجب شرعي وأخلاقي قبل أن يكون سياسياً.
المرحلة لا تحتمل إهدار الكفاءات، ولا ترف تجاهل التجارب الناجحة، ولا مجاملة حساب الوطن.
وسامي الرشيد واحد من أولئك الذين إن عادوا إلى مواقع التأثير، عاد معهم الأمل في إدارة رشيدة، وقرار شجاع، وعمل نظيف.
أما إن ظل بعيداً، فسيظل اسمه حاضراً، شاهداً على زمن مر فيه رجل، أدى ما عليه، وغادر مرفوع الرأس.



