أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد دكتور مزمل سليمان حمد حين يتكلم الإذاعيون… تسقط رواية «الهيئة التي اكتمل إعمارها»

لم يكن المقال الذي تناول غياب الإذاعة السودانية عن المشهد الرسمي مجرد رأي فردي، كما حاول البعض أن يصوره، وإنما كان تعبيراً عن وجع ظل مكتوماً داخل أروقة الإذاعة لسنوات، حتى جاءت ردود فعل عشرات الإذاعيين لتؤكد أن القضية أكبر بكثير من خبر صحفي أو زيارة ميدانية لوزير، وأن ما كُتب لم يكن سوى ترجمة لما يعتمل في صدور العاملين الذين يشعرون بأن مؤسستهم تُدفع تدريجياً إلى هامش المشهد الإعلامي الرسمي.
لقد كان أكثر ما لفت الانتباه أن غالبية التعليقات جاءت من أشخاص ينتمون إلى الإذاعة نفسها، ويعرفون تفاصيل الواقع، وليسوا مراقبين من الخارج. هؤلاء لم يناقشوا أهمية إعادة تأهيل التلفزيون، ولم يعترضوا على تطويره، بل أكدوا أن ذلك واجب وطني، لكنهم تساءلوا في الوقت نفسه: لماذا يُقدَّم هذا الجهد للرأي العام وكأنه يشمل الهيئة كلها، بينما الإذاعة ما تزال تنتظر دورها في الإعمار؟
أحد الإذاعيين الذين زاروا مباني الهيئة بعد الحرب قدّم شهادة ميدانية تختصر المشهد كله، حين قال إن من يشاهد الواقع يدرك بسهولة الفارق الكبير بين التلفزيون والإذاعة. فالتلفزيون وصل إلى مرحلة الاهتمام بالتفاصيل والكماليات والبيئة الخارجية، بينما لا تزال الإذاعة تحتاج إلى أعمال إعمار وتأهيل واسعة، رغم نجاحها في استئناف البث لساعات محدودة من بعض الاستديوهات. وهذه شهادة لا يمكن تجاهلها، لأنها صادرة ممن شاهد الواقع بعينه، لا ممن اكتفى بقراءة البيانات الرسمية.
وهنا تبرز المشكلة المهنية في الخبر الذي نشرته وكالة السودان للأنباء. فالخبر استخدم اسم “الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون”، وهو اسم يشمل مؤسستين، بينما جاءت التفاصيل كلها تقريباً عن التلفزيون وحده، الأمر الذي منح القارئ انطباعاً بأن أعمال الإعمار اكتملت في الهيئة بشقيها، وهو ما لا يعكس الواقع كما يؤكده العاملون أنفسهم.
وكان الأجدر بالوكالة، وهي المؤسسة الرسمية المنوط بها نقل الحقيقة، أن تميز بوضوح بين ما أُنجز في التلفزيون، وما تبقى من أعمال في الإذاعة، وأن تقدم للرأي العام صورة متوازنة، تتضمن أيضاً خطة الوزارة لإعادة تأهيل الإذاعة وجدولها الزمني، حتى لا يبقى السؤال معلقاً في أذهان العاملين والمستمعين: متى تعود الإذاعة إلى سابق عهدها؟
ومن بين التعليقات التي استوقفت الكثيرين ذلك السؤال البسيط والعميق في آن واحد: “أين الإذاعة؟”. سؤال طرحه أحد أبناء الهيئة وهو يطالع صور زيارة الوزير، فلم يجد أثراً للإذاعة التي ظل يعمل فيها سنوات طويلة. تساءل بحرقة: هل ضاعت بين الركام؟ وهل انتهت رسالتها؟ أم أن هناك من لا يزال يطعنها بصمت حتى بعد أن نجت من الحرب؟
قد تبدو هذه الكلمات عاطفية، لكنها في حقيقتها تعكس إحساساً جماعياً بأن الإذاعة لم تنل حتى الآن ما تستحقه من اهتمام رسمي، وأن أبناءها يشعرون بأنهم يقفون في آخر صف الأولويات، رغم أنهم حافظوا على استمرار البث في أصعب الظروف، وواصلوا أداء رسالتهم في وقت كانت فيه مؤسسات كثيرة قد توقفت تماماً.
ولعل اللافت أيضاً أن كثيراً من الإذاعيين لم يطالبوا بمحاسبة أحد، ولم يرفعوا شعارات تصعيدية، وإنما طالبوا بشيء واحد فقط: الوضوح. يريدون أن يعرفوا ما هي خطة الوزارة للإذاعة؟ وما هي مراحل التأهيل؟ ومتى تعود بكامل إمكاناتها؟ وما هي الميزانيات المرصودة لذلك؟ فهذه أسئلة مشروعة، لأن المؤسسة ليست ملكاً للعاملين فيها وحدهم، بل هي ملك للشعب السوداني كله.
إن الإذاعة السودانية ليست مجرد مبنى تضرر في الحرب، وإنما هي ذاكرة وطنية وصوت ظل حاضراً في كل المحطات التاريخية الكبرى. فمن خلالها تابع السودانيون إعلان الاستقلال، وبيانات الحكومات، والأحداث الوطنية، والبرامج الثقافية والتعليمية والدينية، ومنها خرجت أصوات صنعت الوعي العام وأسهمت في تشكيل الشخصية السودانية. ولهذا فإن أي حديث عن إعادة بناء الإعلام الوطني يظل ناقصاً إذا لم تكن الإذاعة في قلب هذا المشروع.
ومن المؤسف أن ينصرف الاهتمام الإعلامي إلى تجميل الواجهات الخارجية وزراعة الأشجار والزهور، بينما تبقى المؤسسة التي حملت صوت السودان لعشرات السنين تنتظر إعادة إعمار حقيقية لاستديوهاتها وأقسامها الفنية ومرافقها التشغيلية. فالإعلام لا يقاس بجمال المباني، وإنما يقاس بقدرته على أداء رسالته، وبمدى جاهزية مؤسساته، وبالاهتمام بالإنسان الذي يعمل فيها قبل الاهتمام بالحجر.
إن ردود الإذاعيين كشفت حقيقة ينبغي ألا تتجاهلها وزارة الثقافة والإعلام، وهي أن العدالة داخل المؤسسة الإعلامية لا تقل أهمية عن إعادة إعمارها. فالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ليست شاشة فقط، وليست ميكروفوناً فقط، وإنما هي تكامل بين الصوت والصورة. وإذا اختل هذا التوازن، فإن الخلل لن يكون في مؤسسة بعينها، وإنما في المشروع الإعلامي الوطني كله.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس إصدار بيانات جديدة، وإنما تقديم رؤية واضحة للرأي العام، تتضمن برنامجاً زمنياً معلناً لإعادة تأهيل الإذاعة السودانية، وتوضيح ما أُنجز فيها وما تبقى، حتى لا يبقى أبناؤها أسرى الإشاعات والتساؤلات، وحتى لا يشعر المستمع السوداني بأن المؤسسة التي لازمته في أحلك الظروف أصبحت خارج دائرة الاهتمام.
لقد تكلم الإذاعيون، ولم تكن كلماتهم صرخة احتجاج بقدر ما كانت نداءً لإنصاف مؤسسة عريقة. ويبقى الأمل أن تجد هذه الأصوات آذاناً تسمعها، لأن الدول التي تحترم تاريخها لا تسمح بأن يُهمَّش صوتها الأول، ولا تقبل أن تتحول أقدم مؤسساتها الإعلامية إلى هامش في خبر، بينما كانت يوماً عنوان الوطن وصوته الذي لا يغيب.









